المحجوب يُعلن البيان الأول شعراً

قال الشاهد إن صحفية لبنانية نابهة جميلة العبارة والمحيا، لها اهتمام أصيل بالثقافة، كانت معجبة بيراع وقريض وأداء الشاعر القانوني والمهندس محمد أحمد محجوب رئيس وزراء السودان. وعندما زار في إحدى رحلاته للشام بيروت الوسيمة انذاك، اهدته قلما ذهبياً ثميناً وفاخر الغلاف. وكان المحجوب حفياً بالقلم مثل حفاوته بصاحبة الهدية. وقد لحِّظ أحد الساسة البائسين فكرا وثقافة وسياسة احتفاء المحجوب بالقلم وظن أن فيه سراً وسحراً خفياً. وفي لحظة من لحظات الانشغال الديواني بالبرلمان اختلس ذلك النائب القلم، فعرف الرجل الكبير فعلة قرينه، ولكن نفسه الأبية أبت عليه سؤاله أو مكاشفته أو فضحه أمام الآخرين، ولكن جعل المناسبة على لؤمها مدخلا لأبيات تسامرت بها مجالس الأدب في الخرطوم زماناً. وكانت ببالغ حكمتها وعمقها تصلح بأن تكون مدخلا لعنوان تتكاثف فيه القصائد الجياد الأخريات (الشعر عطاء الثورة) يقول المحجوب معاتباً السارق السياسي:

مـاذا صنعتَ بـه وكـان إذا جـــــــــــرَى
نَفَثَ الـبـيـانَ الـحُـرَّ غـيرَ مقــــــــيَّدِ؟
قـلـمٌ تحـرَّرَ مـن قُيـودِ زمــــــــــــانِهِ
ومضى طلـيـقًا لا يـديـنُ لســــــــــــيِّد
كـالـحـيِّة الرّقطـاءِ يــــــــــــنفثُ سُمَّهُ
إمّا غضبتُ عـلى أثـيـــــــــــــــمٍ مُعْتد
وإذا رضـيـتُ فـمـا أرقَّ سُطــــــــــــورَهُ
نثرًا وأبـهـاهـا عُقـودَ زُمـــــــــــــرُّد
كـم غادةٍ خلُدَتْ بسحْرِ بـيــــــــــــــانِهِ
فغدتْ تتـيـهُ بحسْنِهـا فـي الـــــــــمشهد
صـاحـبتُه زمـنًا فأحسنَ صُحـبتــــــــــــي
وَوَدِدْتُ لـو يبقى يُقـاسمُنــــــــــــي غدي
يـا سـارقًا قـلـمـي جَهلْتَ مكــــــــــانَه
لا يعـمـلُ الصَّمـصـامُ إلا فـي يــــــــدي

كثيرون هم الذين سرقوا الرئاسات والحكومات والوزارات والسفارات والطوائف والأحزاب والأفكار والأعلام والاقلام والتوقيعات، وكانوا لا يملكون حتى خفة الروح ولا (خفة اليد)، كانوا غلاظاً حتى في المؤامرات والخيانات والسرقات، ولكن تظل القضية هاتفةٌ تجلدهم بسياط الادان، وتكشف عجزهم المبين فكريا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا

يـا سـارقًا قـلـمـي جَهلْتَ مكــــــــــانَه
لا يعـمـلُ الصَّمـصـامُ إلا فـي يــــــــدي
حسين خوجلي

قد يعجبك ايضا