حسين خوجلي يكتب: حكاية أرملة وأيتام فى عصر الكنتاكي!

هنالك الكثير من مفردات العربية التي نتيقنها بالسليقة والخيال، ولكنها تبدو أكثر تاثيرا حينما نتمثلها في مشهد وواقعة ولم اكن متنبها لعبارة (الدموع السواجم) حتى رايتها البارحة دماً يختلط بدموع امراة بائسة في الأربعينات، جللها الحزن فبدت فى الستين. لم تدخل علينا بل اقتحمت علينا جلستنا وهى تجر وراءها ثلاثة أطفال، وغرقت فى نوبة من البكاء الطويل حتى اشفقنا على انفسنا قبل ان نُشفق عليها، وحين التصق اطفالها باسمالها قاسموها نوبة من الصراخ الباكي الذي يقطع نياط القلوب. نثرنا حولها كل جمل التعاطف ومفردات التعازى والاشفاق ودثرناها بفضائل الاحتمال والصبر الجميل، وبدات بصوت كسير تحكي مقاساتها.

هى أرملة منذ سنوات مات زوجها بالسرطان اللعين وحين ذهب لم يترك لها الا هؤلاء الاطفال بلا معين ولا نصير ولا ملاذ فلجات الى منظمة خيرية (نحتفظ باسمها لمرافعة قادمة) يقوم عليها مجموعة من الأخيار، فكانوا لها العشيرة والأهل والقبيلة كفلوها أرملة وكفلوا اليتامى بحقوق السكن والمعيشة والعلاج والتعليم فكفوا عنها أعين الاشرار ومذلة اليد السفلى.

ذهبت قبل أيام لمقر المنظمة فقد تاخر العون وانقطع المتابع وكانت الفاجعة الكبرى حين وجدت أن المدخل قد اوصد بالاقفال وجنزر باغلاق محكم ومخيف، وتسمر أمامه مجموعة من الدرك يصدون الناس، وكانت اجابتهم مقتضبة وقاسية لقد تم اغلاق ومصادرة هذه المنظمة بلا رجعة وآلت لآخرين.

قالتها بمنتهى الحزن واليأس لأنها ظلت وأطفالها يسامرون الدموع والبكاء ويغالبون جوع الشتاء وبرده، بالخيار الوحيد وهو العودة الى الشارع العام، يجربون السؤال المر ويمدون اليد السفلى حيث يلقمهم بعض القساة كلمات التعاطف الزائفة، ويستميلها أهل الشيطان بغزل رخيص ودعوة للخطيئة. وتنهار بعد هذه الكلمات في نوبة جديدة من البكاء المذل لنا ولها ولهذا المجتمع الغافل وهذه الحكومة اللئيمة.

بذلنا جهدا فائقاً حتى اعدنا المراة واطفالها للحد الأدنى من اديتهم، تبرعنا بما نملك وخاطبنا آخرين جزاهم الله خير الجزاء، ووعدناها بالاعانة والمتابعة والتواصل فاستردت أنفاسها وكانت قد لاحظت أننا في حاجة الى ومضة رضى فابتسم الاطفال في وجهنا وخرجوا مودعين.

ظللت برهة من الزمن وأنا صامت وكذلك المجموعة لأن كل جمل التجمل قد طارت من الاذهان بلا عودة، فاصبح الصمت هو الكلام والكلام هو الصمت المبين.

طلبت من أحد المحررين أن يمدني بمعلومات كاملة عن هذه الجمعية الخيرية فكانت دهشتى عظيمة فالجمعية ليست لها أي صفة سياسية بل صلتها الوحيدة مرتبطة بالاسلام والايمان والإحسان، وأن أمينها العام الداعية تعرض لأشهرٍ متطاولة من الحبس وقيد السجون، وكان منبره منصة للنقد غير الهياب وغير المنقطع، بل هالنتي حزمة الخدمات التي يقدمها هذا الرجل الصالح عبر هذه المنظمة الموثقة قانونيا ومحاسبيا بمجلس أمناء لايتطرق اليه الشك خلقا وأمانة.

هل تصدق عزيزى القارئ أن هذه المنظمة تكفل اكثر من 18 الف يتيم ونصف العدد من الأرامل، وتمتلك عدة مستشفيات متحركة بسيارت مجهزة للقرى والفرقان النائية، ولها العشرات من آبار السقيا في كل بوادي السودان، وتكفل المئات من الطلاب والطالبات، بل أنها تشيد الآن مستشفى مجاني للفقراء تبلغ قيمته اكثر من عشرة ملايين دولار، انقطع مموله العربي عن اتمام المشروع بعد أن سمع بايقاف المنظمة وتجريمها وتشويه سمعتها واتهامها بالارهاب. توقفت كل هذه الاعمال الخيرة بجرة قلم لأن الشيوعيين والبعثيين والناصريين الذين لم يُعرف عنهم قط رجل احسان ولاجمعية خيرية تدعم الفقراء والمساكين يوما، مع أنهم والحق يقال أكثر الأحزاب اجادة للغناء والنشيد في حق الفقراء والمساكين والكادحين، ومتى أصبح التمتم والزجل قطعة خبز أو ورشة عمل او مشفى مريض.

لقد اغلقوا مئات الجمعيات الطوعية الخيرية بجرة قلم وبراءة الأطفال في أعينهم المسدلة بسهر التآمر ونعاس الخيبات، أغلقوها وهي تمسح باليد الحانية ادمع الأرامل وأوجاع الفقراء والمساكين وتمد لهم يد الغوث والاعانة، أغلقوها لأنهم يخططون سرا لاشهار منظمة (تجفيف منابع الخير القحتية ). نعم إن هذا التحالف الشيطاني الذي ابتليت به بلادنا يرفع شعار (إن لم تنفع فضر) ولذلك هم يمارسون هذا الضرر اليومي السياسي والاقتصادي والاجتماعي لأن في تفاقم الأزمة اقتراب لنظرية الصراع الذى يُحدث الحل وفق نظريتهم الفاسدة.

هنيئا للناشطة الوزيرة التي تبصم على اثام اليسار وهى مغمضة العينين لأنها تتصدر جمعية الجهل النشط والمغفل النافع وفوبيا الكيزان. تغلق أبواب الخير بلا حساب وتوصد منافذ الرحمة بلا رشد أو اكتراث وتشرد بلا قلب ولا ضمير، فهذه أحزاب عدمية لا تفقد شيئا لأنها خالية الوفاض من الإنفاق و الاشراق ومكارم الأخلاق.

هنيئاً لكِ ياوزيرة الفقر والاملاق، ومشردة الأرامل واليتامى، هنيئاً لكِ بوجبة الكنتاكي الساخنة، وبفراش الدعة الوثير، ولحاف الدفئ والامتيازات. وفي الغد القريب سوف تستبين الحكاية الملهاة والمسرحية العبثية وتسقط ورقة التوت، ويستعيد الشارع نخوته ويستعيد الشباب ثورته، وتلوح مخايل الفجر على ثغر الأفق، ألا أن فجر الوعي والخلاص لقريب.

حسين خوجلي

قد يعجبك ايضا