حسين خوجلي يكتب: إلى الرفاق وقوى الردة والشقاق: الدكتورة سعاد الفاتح خط أحمر..!! 

المشهد الأول

حي العباسية بأمدرمان من غير عبقرية المكان يتصف بمزايا تاريخية مشهودة منها ثلاثياته المشهورة فهو الدار لشيخ العلماء ود البدوي أشهر قضاة المهدية وأشهر علمائها ومجاهديها وصاحب المسجد الشهير، وهنالك مسجد وخلوة (مرفعين الفقرة) الذي منح العباسية صلاحاً وبركة، ومسيد وخلوة قدح الدم الذي شكل حضورا روحيا لكل أبناء العباسية بل لكل أمدرمان.
وهناك ثلاثية الأدب والشعر والفصاحة العبادي واللواء عوض احمد خليفة وصلاح أحمد إبراهيم، وهنالك الكريمات العريقات الوسيمات فاطمة أحمد إبراهيم زعيمة الاتحاد النسائي، والدكتورة سعاد الفاتح البدوي زعيمة الحركة الإسلامية النسائية المعاصرة، والدكتورة حواء محمد صالح رائدة التمريض بوجهه الجديد في السودان.
وهنالك ثلاثية الرياضة التي يبتدرها الكابتن نصر الدين عباس جكسة اللاعب الباذخ الموهبة والأخلاق على مستوى العالم العربي والأفريقي، والكابتن عيسى دهب، والكابتن احمد أبكر، مثلما أن هنالك ثلاثية قائمة بذاتها من أولاد العاتي.
أما عالم الموسيقى والغناء والنشيد فلا تكفينا حزمة من الكراسات. أما الساسة فإن الأمراء من أبكار المهدية وزعامات الأنصار فالمجال يضيق بذكرهم ويكفي أن هذا الحي أخرج كل أبناء وأحفاد المهدي، حيث كانت العباسية المستقر الاول للسيد عبد الرحمن ومنها خرج أبناء وأحفاد الخليفة عبدالله والخليفة شريف والأمير يعقوب والأمير علي ود حلو والأمير ود عبد الكريم. وهنالك عدد مقدر من الاتحاديين والاسلاميين وأهل اليسار
كما أن هذا الحي العريق ضم الكثير من القبائل والبطون والاثنيات حتى قال ظريف أمدرمان: (لو أن كل حوش في العباسية رفع علماً لصارت فرعاً للأمم المتحدة). وبقدر ما مر على السودان من صراع حزبي وعسكري تعالت فيه الأصوات واقيمت المحاكمات وتكاثف بالقتل والضحايا والشهداء الا ان هذا الحي العريق أعلى قيم الخصوم الشريفة ورفع راية أن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية ورغم المرارات، فلم تخرج منهم يوماً كلمة نابية أو فعل مستهجن أو قطيعة سار بشهرتها الركبان، بل أن العباسية منذ أن أُسست الى اليوم ظلت بيتاً واحداً وأسرة واحدة وقيماً، لو وثقت في برنامج سوفت وير لأصبحت هداية لكل السودان في الوسطية والاعتدال والفرح بالدين والدنيا.
ولكل القيم التي ذكرتها والتي تتقاصر عن مزايا الحي النبيل فقد أصابني حزنٌ عميق حين علمت أن مجموعة من المخدوعين والمدفوعين قد أحاطوا بمنزل الدكتورة المجاهدة الرمز سعاد الفاتح البدوي حفيدة شيخ الحيران والذي قال عنه الخليفة في كلمته التي طبقت الآفاق 🙁 فلان يخافني ولا يخاف الله، وفلان لا يخافني ولا يخاف الله، أما الشيخ ود البدوي فإنه يخاف الله ولا يخافني). ومن قيمه في العلم والشجاعه والتقى وخدمة الآخرين ترعرعت سعاد الفاتح ونشأت ونضجت وما بدلت تبديلاً.
أحاطوا بالمنزل العريق هاتفين بمنكر القول وساقط الهتاف لبيت لا يعلمون ليس فيه الا عالمة شيخة وحيدة وبناتها. حاول البعض ان يسوق الفعلة الشنيعة باسم ثوار العباسية فرددت عليهم: أن العباسية التي نعرفها لا يُضام فيها قريب ولا غريب، وإنما ما تملكه من مكارم الأخلاق والسعة وحب الأخيار بل الأغيار ينأى بها عن هذا الاتهام. والذين قاموا بهذا الفعل الشنيع لا يمتون بصلة لهذا الحي العريق لا بالسكن ولا بالجوار بل أن العالمين ببواطن الأمور قد رصدوهم بالإسم والهيأة والعنوان والانتماء.
ويبدو أن اليسار العقائدي بعد مرور اكثر من خمسين عاما لم ينسى لدكتورة سعاد الفاتح أنها زلزلت الأرض تحت أقدامهم وهي صبية في العشرينات

المشهد الثاني

في العام ١٩٦٥ امتلأ ميدان معهد المعلمين العالي بأمدرمان بالمئات من الحضور في ندوة بعنوان: المظاهر الاجتماعية السالبة رؤية للمشكلة والحلول. كان المتحدثون فيها الأستاذة سعاد الفاتح البدوي والأستاذة حكمات حسن سيد أحمد والدكتور يوسف الخليفة أبوبكر، وبعد انتهاء المحاضرة وبداية النقاش نهض شوقي محمد علي احد كوادر الشيوعيين وقال بلا مبالاة أمام الجميع: إن الأخلاق التي تتحدث عنها المنصة هي اخلاق تقليدية وهم يتحدثون عن الجنس كرزيلة ويتناسون ان الدعارة كانت في بيت الرسول. وشوقي هذا تم توقيفه فيما بعد ومحاكمته وسجنه وقام الرفاق بتهريب لشرق أوروبا وأوحوا اليه أن يدعي بأنه عضو في الحزب الشيوعي الجناح الصيني (ماوي).
اصيب الحاضرون بوجوم مخيف وغضب مكتوم، واقتعلت منه سعاد الفاتح الميكرفون وقرأت آيات من سورة الكهف حتى هدأت الخواطر وبعدها قالت بصوت ثائر: أن هذه الاساءة لنبي الإسلام لن تمضي دون عقاب وأن هذا الشعب الأبي سوف يقتص لرسوله ودينه من هذه الفئة المرقة.
ودون أن تكون هنالك هواتف سيارة أو منصات للتواصل الاجتماعي كما اليوم، الا ان غضبة الشعب وبركة المصطفى قد بلغت في تلك الليلة كل المدن السودانية وفوجئ الجميع بصباح اليوم التالي بانتفاضة الخرطوم وبحري، مثلما أن الآلاف أحاطوا ببيت الزعيم الأزهري رئيس مجلس السيادة آنذاك بأمدرمان، فأطل من شرفة بيته وخاطب الجماهير: (بأن شرف الرسول صلى الله عليه وسلم فوق الأحزاب وفوق الديمقراطية وأن الجمعية التأسيسية اذا لم تقم بحل الحزب الشيوعي السوداني المارق انتصاراً لشرف المصطفى، فسأقود أنا المظاهرات لحل الحزب الشيوعي). ولذلك لم يغفرها له الشيوعييون قط، فبعد انقلابهم الأحمر الدموي في مايو قذفوا به في زنزانة موحشة بكوبر رغم مرضه ومُنعت عنه أنبوبة الأوكسجين بالمستشفى الجنوبي بالخرطوم حتى غادر الحياة. وانتقموا حتى في خبر رحيله المر الذي نزل على كل الوطنيين نزول الصاعقة، فقد أمر محجوب عثمان المركزي بالحزب الشيوعي ووزير الإعلام بحكومة مايو آنذاك، أن يُقرأ الخبر بصيغة: (تُوفي صباح اليوم المواطن اسماعيل الأزهري الذي كان يعمل مدرساً بالمعارف السودانية) تخيلوا كانت هذه الصيغة التي قُرأت بها خبر رحيل رافع علم استقلال السودان
إنها أخلاق الشيوعيين الذين يمارسون القتل الغليظ والقتل المعنوي واشانة السمعة لخصومهم، حتى وهم في القبور.
ومما يؤثر للدكتورة سعاد الفاتح أنها هي التي قادت المظاهرة الضخمة التي خرجت مع جنازة الزعيم من بيته حتى مقابر البكري، وفعلاً عقد البرلمان عام ١٩٦٥م جلسته الشهيرة، وقد احاطت به الآلاف من السودانيين الغاضبين الذين أقسموا الا يغادروا ساحته حتى يُحل الحزب الشيوعي، ويُطرد نوابه انتصاراً لشرف وعرض رسول الإنسانية صلى الله عليه وسلم.
استمرت الجلسة من الثامنة صباحاً حتى الخامسة مساءً وقضى النواب بالإجماع ما عدا صوت واحد وصوت النواب الشيوعيين بحل الحزب الشيوعي، وطرد نوابه بحجة أنهم غرباء على دين هذه الأمة، وأغلبيتها الفكرية والعددية وخرجوا مطاطئ الرؤوس جسدا وروحا أمام عشرات الآلاف من الثوار السودانيين.
ومما يشهد له أنه برغم فعلتهم المنكرة لم تمد إليهم يد ولم يهتف ضدهم أحد، ولم تنالهم حتى قارورة ماء فارغة. وقال الصحفي الشهير يومها: (إن الحزب الذي زعموا أنه أكبر الأحزاب الشيوعية بأفريقيا والعالم العربي ذهب إلى مزبلة التاريخ بكلمة نابية ضد المصطفى وبصرخة استغاثة من صبية في العشرينات من عمرها).
نعم لم يستطع الشيوعيون رغم التحلي الزائف وادعاء الديمقراطية والشرف الماركسي أن كان لهذا اليهودي شرف لم يتسطيعوا ان ينسوا للازهري وقفته التاريخية ولا للترابي مرافعته القانونية ولذلك جعلوهوا في مايو أول السجناء قبل قائد الجيش وقبل رئيس الوزراء ولم ينسوا لدكتورة سعاد الفاتح أنها عبر كلمة رصينة وغضبة لوجه الله قدحت الشرارة ومن الشرارة اندلع اللهيب
إن تظاهرة أمس الأول أمام بيتها بالعباسية كانت غضبة مؤجلة منذ خمسين عاماً، ولكن ماذا يفعل الهتاف الرخيص والشتائم المنكرة لابنة العز والبَنيّة وحفيدة المجاهدين فهي قد تعودت على حارسات الطغاة وسجون المستبدين وبزاءة المارقين وكل هذه الأقوال والأفعال الفاجرة ما زادتها الا وضاءة وعلما وثباتا وكبرياء
إن الذين يسيئون للدكتورة سعاد الفاتح إنما يسيئون لأنفسهم اولا بل أنهم يسيئون لبلادهم فالمرأة كانت فخرا لابناء بلادها في العمل العام وفي الدعوة وفي التربية والتعليم والجامعات وفي غياهب السجون وفي مؤتمرات ومعاهد العرب والعجم.  ومن تحت أكفها وثاقب فكرها تخرجت الآلاف من النساء العالمات العاملات في السودان والمملكة العربية السعودية ومعاهد الغرب وآسيا وما زالت المثل الأكثر اشراقاً للمرأة المسلمة الملتزمة، التي جعلت الدعوة موهبة ومتعة وبرنامج حياة، سلكت طريقه بلا تردد حتى خاف منها الخوف وتوارى عنها اهل الشرك والاستبداد.
إننا عبر هذه الكلمات نبعث ببرقية تحذيرية للرفاق وقوى الردة والشقاق، بأن سلوك هذا الطريق الشائك خطر عليهم وعلى مشروعهم الاشراكي الاستبدادي المرفوض.
ونقول لهم محذرين بأن الذين أحاطوا بمنزل المجاهدة سعاد الفاتح موثقون بأسمائهم وصفاتهم وعناوينهم وأن العقاب المستحق سيطالهم عاجلاً غير آجل بل أننا نحذر الحزب الشيوعي وأشياعه من البعثيين والناصريين ذات الشرزمة التي تآمرت في مايو ويوليو في القوانين والسجن والتصفية بأن أي أذى يُضار بها هذه الشخصيات الرموز ستقابل بالعقاب الذي يعرفونه. فهذه المجاهدة تعرف تماما أنها تحت رعاية الشعار الشهير ( فلسنا بطير مهجيض الجناح ولن نستذل ولن نستباح).
ولنجعل رسالتنا الأولى في بريد رئيس المجلس السيادي الفريق أول عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء دكتور عبدالله آدم حمدوك ووزير الدفاع ووزير الداخلية وقادة الشرطة والأمن والمخابرات، ان سودانا تهان فيه حفيدة الشيخ العالم العارف المجاهد ود البدوي يصبح باطن أرضه خيرٌ من ظاهرها.
أما رسالتنا الثانية فهي لاتباع الرسالة الثانية وأهل الوثيقة المزورة من الرفاق وقوى الردة والشقاق :الدكتورة سعاد الفاتح البدوي.. خطٌ أحمر

قد يعجبك ايضا