حسين خوجلي يكتب…الحزب الشيوعي يعين كمال عمر مستشاراً قانونياً و سياسياً

لي قناعة راسخة بأن الحزب الشيوعي السوداني هو الحاكم الفعلي لهذه المرحلة حيث يسيطر على شارع المقاومة بالحرس القديم، ويسيطر على الأحزاب التقليدية بالاختراق، ويسيطر على الحكومة بوزرائه، ويسيطر على تعيينات الخدمة العامة من خلال مركزي متفرغ بأعوانه، ويسيطر على العقل العسكري والأمني بالابتزاز، ويسيطر على رئاسة الوزراء بمرافيد اللجنة المركزية. وكل هؤلاء يؤمنون بالمادية الجدلية والفروقات بينهم فروقات مقدار لا نوع، و بقدر ما يتاح للحزب من فرصٍ تاريخية للسيطرة بلا أغلبية جماهرية و لا أغلبية فكرية الا أن موهبة النذق الثوري (والهاشمية الهتافية) والولع باحراق المراحل دائماً ما تُفضي بهم الى التهلكة والأخطاء التاريخية ذات الخسائر التي لا تعوض.
وقد نصحهم في الخمسينات كادرهم الراحل حسن الطاهر زروق بالا يعارضوا اتفاقية استقلال السودان، ولكنهم فعلوا ودخلوا في معركة ضد الاتحاديين، فلما أعلن الأزهري الاستقلال اضطروا للاعتذار ورفع بطاقة النقد الذاتي فكانت فضيحتهم محل تندر الأحزاب والمنابر والصحافة. ومن النصائح الغالية نصيحة كادرهم القيادي الراحل عبد الرحمن الوسيلة بان يسموا الحزب بالحزب الاشتراكي بعد أن تخلوا عن اسم (الجبهة المعادية للاستعمار) باعتبار أن الحزب الشيوعي قد أصبح وصمة في حواضر العالم العربي والاسلامي، ولكن عبدالخالق محجوب أصر (على الشيوعي) مع محاولات لاحقة للتنصل من الاسم، ولكن اجتماع الاحزاب الشيوعية في موسكو عام ٦٧ رفض الاقتراح.
وكذلك رفض جناح السكرتير العام عبدالخالق ومجموعته باللجنة المركزية إقتراح الأستاذ الراحل عمر مصطفى المكي الذي كان يرى استمرار التحالف مع مايو وتطويرها لمرحلة الجبهة الوطنية الديمقراطية.
وكان نتاج هذا الصراع تدبير انقلاب ١٩ يوليو الذي عارضه الراحل الشفيع أحمد الشيخ بضراوة رئيس اتحاد العمال الذي قمعه عبدالخالق واضطره للرضوخ واخراج الموكب الأحمر لتأييد الانقلاب فكان الرجل ضحيته، بل كان السكرتير العام هو الضحية الأثمن مع الصف الأول من القيادات المدنية والعسكرية في محاكمات الشجرة الشهيرة عام ٧١.
و قبلها رفضوا نصيحة أمين الشبلي وعابدين اسماعيل لتوسيع حكومة جبهة الهيئات في اكتوبر التي اضطروا مكرهين تحت ضغط الأنصار الذين اكتسحوا شوارع الخرطوم بأن يعلن سر الختم الخليفة انتخابات مبكرة، مثلما رفض عبدالخالق ايضا نصيحة الراحل الأمير عبدالله عبد الرحمن نقد الله بألا يشارك الحزب خاصة واليسار عامة في تحريض جعفر نميري على ضرب الأنصار في أبا وودنوباوي، قاد التجاني الطيب مواكب التحريض في شوارع العاصمة بصورة تدعو للازدراء و الغثيان.
وهاهم الآن بانتفاضة ديسمبر الشبابية يكررون بذات المواهب القديمة النزق والهاشمية تصفية الحسابات مع خصومهم في عجلة تدعو للشفقة والخوف على كل الثوابت والمرتكزات الوطنية التي تمثلت في الغاء كل المنظومة القانونية و العدلية فكراً وكفاءات بجرة قلم. وتصفية كل قيادات الخدمة المدنية من الكفاءات الملتزمة وذات الخبرة والخُلق المهني الرصين باعتبار أنهم (كيزان). وفرض اقلية الجمهوريين الموسوميين بالردة والزندقة حسب المحاكمات الشرعية المشهورة. وقد ألغوا كل المناهج التي تخالف مفهومهم الرافض لرسالة المصطفى (صلى الله عليه وسلم) وفرض خزعبلات الرسالة الثانية مع تقليص المحفوظ من القرآن باعتباره هوس ديني.
كما أن الحزب فرض قيادات شيوعية وبعثية و ناصرية لها عداء تقليدي مع المنظومة الأوربية وامريكا والعالم الحر قاطبة، مما عرض كل محاولات حمدوك الخارجية للفشل الذريع والعودة بخفي حنين. كما أن اصرارهم على أبعاد حزب الحركة الوطنية صانع الاستقلال وطائفة الختمية العميقة التأثير في المجتمع السوداني مع معاداة الحسيب النسيب محمد عثمان الميرغني أفقد المرحلة السياسية الراهنة البعد الوسطي المعتدل الذي كان يمثله هذا الحزب العريق.
وكذلك ظل الحزب الشيوعي يعارض كل خطوات للسلام لا تحقق فهمهم الأيدولوجي الضيق وتمكين حلفاءه من وراء ستار مما ابقى إوار الحرب قادحاً والبنادق مشرعة مع استمرار (ماسورة) الإنفاق العسكري التي أدت الى كل هذه الأزمات الاقتصادية المتفاقمة، ولم ينسى الحزب الشيوعي وتوابعه من الأقليات الفكرية المرفوضة تصفية حساباته وثأراته القديمة مع الجيش السوداني والأمن والمخابرات والشرطة باعتبارهم الصخرة الكأداء امام عبور مشروعه التصفوي، وتظل معركته مع التيار الاسلامي الوطني العريض مفتوحة فهو يعتبرهم القوة الحية الحديثة المدربة والمؤهلة ادارياً وعسكرياً وفنياً التي تكبح جماح تحقيق طموحاته في اقامة دولة الحداثة المزعومة التي يدعيها والقائمة بلا ركائز من دين وقيم و تاريخ مرتبط بالتراث والعروبة.
ورغم كل ذلك تجدنا قد رفعنا قبعاتنا لتحية الحزب الشيوعي وتقديم الشكر الجزيل على خدماته الوطنية عبر هذا البرنامج المعلن، فلولاه لم يتخلق المشروع الوطني الكبير الذي يجمع لأول مرة الاسلامين والسلفيين والمتصفوة واحباب المصطفى من غير انتماء حزبي في تحالف مستقبلي قادم.
شكرا للحزب الشيوعي الذي عبر مخططه هذا بدأ يبلور جبهة وطنية سياسية توثق لعلاقة مستقبلية بين الاتحاديين وحزب الأمة والاسلامين المعتدين والتيار الوسطي غير المتحزب، كما أن مشروع الردة والعلمانية الذي يقوده الحزب الشيوعي بشراسة خلق ثورة ثقافية وسط شباب ثورة ديسمبر الذين سيعودون لرحاب الالتزام و يفتح أمامهم مشروعات جديدة للأمل والعمل ويفك عنهم قيد الإستخدام اليساري في مشروعات تصادم قناعته وقناعات شعبهم وثوابت دينهم.

و أخيرا اجد نفسي في كثير من الأحيان حائرا في مواقف الحزب الشيوعي التي ينفث فيها بسموم شيطانه، و لكنها ترتد بالعسر عليه و باليسر على جماهير شعبنا، في اعتقادي الخاص أن الحزب الشيوعي يتخد قراراته في لحظة غيبوبة أو أن الأستاذ كمال عمر المحامي هو مستشاره السياسي و القانوني.

قد يعجبك ايضا