واستلم صاحب الطاحونة العريضة الثورية

صديقنا ود الجيلي رجل ضليع في القانون وفوق ذلك متخصص في الدراما البيضاء وأحيانا السوداء ولو كان فى بلادنا مسرح حقيقي وسينما لطبقت شهرته الافاق، كان يسخر من كل شي فان لم يجد سخر من نفسه وأصدقائه.

اذكر ان استاذنا الدكتور العالم الشاعر الراحل بابكر دشين عليه الرحمة كان يدرسنا الادب فى امدرمان الاهلية الثانوية وقد اعتاد ان يخصص في كل شهر حصة للانشاء الشفهية وكان يطالب الفصل بالحديث في الموضوع الذى يحدده وغالبا مايهرب الطلاب من التعبير والمواجهة خاصة وان الانداد لهم سخرية لاذعة حول الأخطاء والتلعثم.  وحلا للمشكلة وتزجية للوقت كان المرحوم يطالبني بالحديث وكان الزملاء يقدرون لي تقحمي لا من باب الاعجاب ولكن من باب رفع الحرج.

فصلت من المدرسة بسبب السياسة ولم التقي بصديقى ود الجيلي الا فى امتحان الشهادة السودانية وقد كانت العادة ان يكون اليوم الاول لورقة الانشاء التحريري لاغير حتى يتعود الطلاب على الاجلاس وجو الامتحانات خرجنا من الامتحان ووقفنا في فناء المدرسة نتناقش حول الموضوعات، فاذا بود الجيلي يقبل بوجهه الضحوك وينتاشني بعبارته الساخرة (تعرف يابوا الجاز لوالجماعة قرضوا على كدا تطلع اول السودان ) ضج الجميع بالضحك وقاموا بتوزيع الحكاية وحواشيها.

ودارت الأيام والسنوات وبحثت الرجل وهاتفته وتذكرنا الايام الخوالى وفي ثنايا الانس سالته عن رايه في حكومة حمدوك الانتقالية فقال لي ضاحكا: هذه الحكومة ياستاذ (مساق ادبى فكل وزير امامه بكتة ورق ابيض (اى فور ) وقلم حبر (ناشف ) وعبر هذا القرطاس سوف يشبع الشعب السوداني من القرارات التجريدية الحالمة وكشوفات الفصل التعسفي وتصفية الحسابات والخطب الرنانة والتنقلات العقابية وبرامج الحقبة الوطنية الديمقراطية وجلسات النقد لكل مافي الارض والسماء باعتبار ان الاوراق والاحبار والقوانين واللوائح والهتافات والأسفار هى الانجازات وسوف يتركون للعساكر (المساكين) أعباء الحرب والأمن وحساب قفة الملاح والخبز والوقود واستحقاقات العاملين، ورغم كل هذا الجهد سوف يسلقونهم بألسنة حداد، ويحرضون الداخل والخارج عليهم بالأدانة والأحكام الجائرة، فهم لايجيدون في كل تاريخهم غير اللغة اللئيمة والشتيمة وكل انجازات اليسار العملية منذ الاستقلال الى اليوم على ارض الواقع ليس فيها الا بيارة السوكي المنهارة التى شيدها المهندس الشيوعي مرتضى احمد ابراهيم وزير الري في حكومة مايو والتي رد فيها الرفاق مناهضين بالصحفي بقادي بمقال الخيبة الشهير: ( فلتنهار بيارة السوكي الف مرة وتبقى الحقيقة).

من سخريات القدر أن هؤلاء العاطلين من موهبة الإنجاز والفعل المفيد يحكمون السودان المنكوب الان بالف رجل وامراة من الحزب الشيوعي وشظايا البعثيين وشلة الناصريين والجمهورييين، وهم لايملكون فيه لاجامع ولا جامعة ولا ورشة ولا مزرعة و رغم خلاء أياديهم من المنافع ظلوا يحصبون اصحاب الانجازات بحجارة الحقد الطبقي ليل نهار.

ختم ود الجيلي محادثته معي بسخرية صغيرة قال لي: إن  اهله بالريف حين تسامعوا بان بشارة النضال اصبحت ان تتظاهر وتهتف وتكتب عريضة وقد فعلوا، لكنهم للاسف لم يجدوا محلية او مركز شرطة او مقر حزب او ممثل لاى شرعية حكومية فاضطروا ان يسلموا العريضة لسيد الطاحونة بالقرية باعتبار انها احدى المؤسسات (الحداثية ) على حد تعبير مدرس ماركسي قديم اقعده داء السكري بالقرية فصار ممثل قحت هناك ومنتظرا انتصار سلطة الجبهة الوطنية الديمقراطية التي تفضي إلى المرحلة الأسترالية تمهيدا لانتصار الشيوعية التي تنكر الغيب والأديان وتملأ الأرض دما ومسغبة واستبدادا.

حسين خوجلي

قد يعجبك ايضا