حكاية الخميس (المثقفاتى والحيشان الثلاثة)

بعد كل انقلاب أو انتفاضة أو ثورة أو تحول ديمقراطي، يزحف نحو( الحيشان الثلاثة ) الإذاعة والتلفزيون والمسرح المئات من أنصار هذه التحولات السلطوية. وغالبا ما تقابلهم جدادة البيت من أهل الصنعة والمهنية والتجربة، بترحاب مشوب بالحذر وسخرية مخبوءة، وألسِّنة حداد حيث يحلو السمر حول صحن البوش وأكواب الشاي. حينها يحدقون فيهم باستهزاء وكلمات قارصة من شاكلة (الجماعة شايلاهم الهاشمية، والله المثقفاتية الكذبة ديل ستة شهور بس، وما تلقوا فيهم طفاي النار ).
وقد أصابتهم الدهشة والعجب حين صمدت معهم 14 عام، عبر برنامج حواري (أيام لها ايقاع) ومما ألهمني الصبر تجربة قديمة فى الاذاعة السودانية منذ أيام الجامعة، وأن الساحة العامة كانت تعج بالنجوم من أهل الساسة والأدب والثقافة والفنون الوقود المقدس لتلك الحوارات الخالدات. وأعترف بأن تلك المجاميع من المهندسين والفنيين والبرامجيين والاعلاميين احتملوا تفاصيل العمل الاعلامي المستحيل، رغم الامكانات المهيضة الجناح فقط لأنهم كانوا يحبون هذه المهنة حباً يشابه العشق والتوله والتصوف. وعندما استانسوا بي ووثقوا فى صدق زمالتى فتحوا لي قلوبهم وتجاربهم، فكانت أحلى ساعات عمري تلك الايام التى قضيتها فى حوارات الكبار صلاح احمد ابراهيم ، عبدالكريم الكابلى ، سيف الدين الدسوقي ، احمد عبدالحليم ، ابوامنة حامد ، عبدالباسط سبدرات، ومحمد بشير عتيق، وصديق مدثر، والعاقل محمد حسن، عبدالله الشيخ البشير، مصطفى سند، والشاعر العراقى عبدالرزاق عبدالواحد ومهدي ابراهيم وفراج الطيب ويس عمر الامام وحسن عبدالوهاب وعبدالله حمدنا الله، ووصال المهدى والصادق المهدي ومحمد داؤود الخليفة وحسن مكي والدكتور عبدالله علي ابراهيم وأمين حسن عمر وعلي شمو وفضل الله محمد وحسن ساتي وعبد المحمود نور الدائم الكرنكي، والتاج مصطفى، وصلاح بن البادية وعلي الحاج وهذا غيض من فيض والعشرات غيرهم ممن جملوا أيام الانقاذ الأولى ومنتصف أعوامها. ومن الحلقات التي أفلتت مني وما زلت حزيناً لفقدانها حلقة فرسان مايو الثلاثة زين العابدين وخالد وأبو القاسم الذين تراجعوا عن التسجيل في نفس اليوم لأسباب مجهولة. وثلاثة حلقات كانت ستسير بشهرتها الركبان مع الراحل محمد ابراهيم نقد سكرتير الحزب الشيوعي وقد التقيته بدار الحزب بنمرة ٢ وقد اتفقت معه على السيناريو فضحك كثيراً للأسئلة والتعليقات، ولكنه أعتذر أيضاً لأسباب مجهولة قبل نصف ساعة من التسجيل، وقد قال لموظف العلاقات العامة والسائق ضاحكاً:
– صحيح أستاذكم جاني هنا أداني فارغة وأديته مقدودة، لكننا لمن نتفق على حوار. مضى الرجل السوداني الحكيم ولم نلتقِ بعدها. وحزنت لإفلات حلقة الفنان الذري ابراهيم عوض والشاعر الطاهر ابراهيم لتخلف ألكسترا الخرطوم جنوب ( مقطوعة الطاري)
– وقد كان الأسف الكبير لإفلات حلقات البروفيسور علي المك الذي هاتفني وهو على سفر الى أمريكا 🙁 يا ود القرشاب أنا ماشي أمريكا ذاكر كويس، ومعاي ٧ بدل إمبريالية أخوانك مستجدين النعمة ديل ما حيقدروا يجيبوا زيها، لو قروشم سدت عين الشمس. القيافة يا حسين دايره عراقة ثقافة، ودخل في ضحكته الطفولية الشهيرة). وقد عاد الرجل جثماناً طاهراً بعد فترة قصيرة من مغادرته وكأن مهاتفته كانت إذناً بالانصراف.
– أرجو أن لا تكون هذه البرامج السالفت الذكر قد ضاعت فى أضابير المكتبة وسوء التخزين فهي مادة لرحيل أو صمت هؤلاء لاتقدر بثمن. فقد نالتنى الكثير من الفوائد الأدبية والمعنوية، ومن فرط المحبة لتلك الايام وأولئك الضيوف فإني كنت أنفق عليها من جيبي الخاص رغم المسغبة النسبية وإيقاف ألوان لأنني كنت متأكد أن تلك القافلة الرائعة من المبدعين والمفصحين إن غادرت فإنها لن تُستعاض ابداً. وبقدر ما كانت مترعة بالعلم والفكر والثقافة والاجتهاد والتاريخ، فإنها أيضا كانت مليئة بالذكريات واللطائف والحكايات والسخريات الصغيرة.
وقد حكى لى أحد الأصدقاء من الاعلاميين بالتلفزيون أنه بعد انتفاضة أبريل 85 التي أطاحت بحكم المشير نميري زحف الكثير من المثقفاتية صوب الجهاز. وتحت شعار تصفية السدنة ابعدوا الكثير من المبدعين ولم يستطيعوا أن يملؤوا المساحات الشواغر، واختلت الخريطة البرامجية كثيرا، ولم تستطع الادارة أن تملأ الأربعة وعشرين ساعة لا بالحق ولا بالباطل. قال الرواي دخل كبير المذيعيين يوماً وهو منزعج لغياب المثقفاتية الجدد وتبديدهم كل الساعات فى الجدل العقيم والتنظير الخواء. صادف أحدهم جالساً جوار ست الشاي تحت ظل الشجرة الشهيرة المشتركة بين الاذاعة والتلفزيون، يغازل شعيرات رأسه المجعدة ويمتص سجارته العجفاء، وقد أحاطت به سبع بنات (حتة واحدة ) وهو يحاضر فى الفارغة والمقدودة.
صاح كبير المذيعين فى وجهه بغضب: (إنت ياولد ما شغال معانا هنا مذيع؟
فقال فى اضطراب: نعم
– طيب مادام مذيع قالوا ليك الشجرة دى بقت ادارة المذيعين صمت المذيع ولم يحرِّ جوابا، وصار منظره وسط المعجبات المزيفات يدعو للشفقة.
– تعال وراي بلا عطالة إنت قالوا ليك التلفزيون دة عنده مطبعة قروش للمستهبلين؟
– فتمتم المذيع الغير المفحوص، لكن أنا يا أستاذ مافى زول كلفنى بحاجة !
– فواصل كبير المذيعين لهجته الضاغطة وتعالى صوته: التكليف نجيبوا ليك فى بيتكم ولا نجيبوا ليك تحت الشجرة ياطير الجنة؟ أدخل الاستديو الآن الفنان فلان دة ليهو ثلاثة يوم شايل عوده نفتش ليهو فى مذيع
– دخل المذيع المثقفاتى في اضطراب وقلق الاستديو ومعه (الفنان الصنايعى ) اشعلوا التيم الاضاءة الباهرة وأحكموا ميكرفونات الصوت في سرعة مباغتة وصاح المخرج استاند باى وبدأ الحوار التاريخي. وكان السؤال الأول من مخزونه المتعجرف: لاحظنا يا أستاذ إنك فى آخر أيام حكم (الفرد) كانت تجربتك الفنية أقرب للمدرسة البنيوية، وأكثر التصاقاً بالواقعية الاشتراكية، مع ميل واضح للغرائبية والترميز ؟
– سكت المذيع الغرائبي منتظراً اجابة الفنان المسكين وقد اتسعت حدقتا عينيه. وأصبح الجميع من المصورين داخل الاستديو وبقية الكاست فى الكنترول ينتظرون الاجابة العبقرية، وفعلا كانت كذلك.
– فقد أجاب فى سخرية: الغريبة أنا برضو يا أستاذ لاحظت كدا . فضج الجميع فى وصلة من الضحك، ونهض الفنان واقفاً ممسكاً بزمام عوده وهو يصيح فى وجة كبير المذيعين الذي هرع لداخل الاستديو لانقاذ الموقف:
– لمن تجيبوا ليكم مذيع بفهم أبقوا نادونا. ومنذ ذلك اليوم لم يشاهد أحداً ذلك المذيع ولا ذلك الفنان فى ساحات ذلك الحوش العجيب. خرجوا ولم يعودوا ومن مصادرى الخاصة علمت أن المذيع المثقفاتى أصبح لاجئاً سياسياً وأصبح الفنان أحد نجوم الشباك .

حسين خوجلي

قد يعجبك ايضا