قانون الطواريء… بين قمع الحريات والاصلاحات الاقتصادية

تقرير/ آمنة حسن بشير

أثار قانون الطواريء الذي اعلن عنه رئيس الجمهورية اواخر الشهر الماضي جدلاً واسعاً وفتح باب التوقعات حول جدوى القرار في هذا الوقت الذي تعاني فيه البلاد من احتقان سياسي واقتصادي في آن واحد، وبالطبع رفضت كل تجمعات المعارضة هذا القانون واعتبرته يكرس لقبضة عسكرية اكثر قوة خاصة وانه يحد من الحريات بشكل عام سواء الصحفية او تداول المعلومات او عقد الندوات والمؤتمرات وعلى رأس كل ذلك التظاهرات التي انتظمت السودان منذ التاسع عشر من ديسمبر الماضي، وعلى الرغم من بعض الآراء التي تدعو الى التفاؤل حين اعتبرت ان قانون الطواريء الغرض الرئيسي منه هو محاولة حل الازمة الاقتصادية بالتحكم في السوق واسعار صرف العملات الى جانب الحرب على الفساد وملاحقة كل من اعتدى على المال العام او استغل نفوذه لمصلحته الشخصية الا ان ما جرى ضد المعتقلين السياسيين والمحتجين الذين تم القاء القبض عليهم عقب هذا القرار تمت محاكمتهم بالسجن والغرامة عقاباً لهم ومحاولة لايقاف زملائهم.

قمع الحريات

وقد فرضت محاكم الطواري في الخرطوم وبحري وامدرمان احكاما مختلفة ضد المتظاهرين ما بين البراءة والسجن والغرامة، وأوردت وكالة السودان للانباء ان محكمة الطوارئ  قضت بالسجن خمس سنوات لأربعة متهمين بعد إدانتهم بمخالفة أمر الطوارئ رقم 2 والحكم على ثلاثة متهمين بالسجن ثلاث سنوات وكانت السلطات الأمنية اعتقلت اكثر من 800 متظاهر يوم الخميس في الاحتجاجات التي اطلق عليها مواكب التحدي ومن ثم تقديمهم لمحاكم الطواري، وفي بحري اصدرت المحكمة ضد سبعة متهمين تم توقيفهم اثناء احتجاجات في منطقة الصافية حكماً بالسجن 6 شهور والغرامة 3 الاف جنيه وامرت المحكمة برئاسة القاضي عماد ابراهيم بحبس المدانين السبعة لكل واحد منهم 6 شهور في حال عدم دفع الغرامة فيما اصدرت عقوبة اخرى بالسجن 6 شهور والغرامة 5 الف جنيه في مواجهة متهم ثامن ضبط بهاتفه صوراً لاحتجاجات.

وهذا ما تخوفت منه المعارضة الحد من الحريات واستخدام قانون الطواريء لمزيد من القمع ، وتواصل تنفيذ القانون قبل تقنين القرار بشكل رسمي عندما منعت السلطات الامنية ندوة لقوى إعلان الحرية والتغيير كان مقرراً لها يوم السبت خصصت لذكرى الشهداء والتضامن مع الجرحى والنازحين والمحبوسين تعسفياً، وحاصرت السلطات مكان الندوة بدار حزب الامة بأم درمان ومنعت الناس من الدخول ، وقد صدر بيان عن حزب الامة جاء فيه أن السلطات الأمنية ادعت أن إعلان الطوارئ يبيح للسلطة منع أية تجمعات غير مأذونة، برغم أن القرار لم يقنن بعد. وأشار الى أن منع المواطنين من التعبير السلمي عن مواقفهم يتنافى مع الدستور والمواثيق الدولية مما يعني بأن قانون الطوارئ باطل وما يترتب على ذلك بطلان اية تصـرفات بموجبه .

من ناحية قانونية

وقال الخبير القانوني نبيل اديب في تصريحات ان قانون الطواريء يتم اللجوء اليه في حالات معينة و يعتبر سارياً منذ اعلانه مباشرة ، وانه وفق الدستور فإن من حق الرئيس أن يعلن الطوارئ في حالة حرب أو حصار أو كوارث الطبيعية”، وأضاف: “لا أرى ما يستدعي إعلان حالة الطوارئ حاليا، وبالتالي أرى القرار غير مبرر دستوريا ولا قانونيا”.

وينص الدستور علي ضرورة عرض حالة الطوارئ على البرلمان لإجازته خلال 15 يوما من إعلانه ، وهي النقطة التي ترتكز عليها المعارضة بحيث يستوجب القانون عرض القانون على البرلمان لاجازته وهو ما لم يحدث الى الآن.

ايجابيات اقتصادية

وفي منحى اخر يرى بعض الاقتصاديين ان قانون الطواريء له ايجابيات اخرى مهمة وهي فرض السيطرة على السوق ومحاربة الفساد لحل الضائقة الاقتصادية التي كانت سبباً رئيسياً في خروج المتظاهرين، ومن اوائل الايجابيات هو تراجع سعر صرف الدولار بفرق واضح عن ما قبل قرارات الرئيس والتي قضت بحظر حيازة النقد الاجنبي والمتاجرة به، وقد اكد متعاملون مع الاسواق الموازية وجود انخفاض ملحوظ في شراء الدولار عبر الاجراءات المصرفية في ظل هبوط اسعاره بالاسواق الموازية، واوضح عدد منهم تقلص الفجوة بين سعر الاجراءات المصرفية والسعر عبر الكاش حيث بلغ سعر الشراء عبر الاجراءات المصرفية ما بين 65 الى 70 جنيها مقارنة باسعاره قبل القرارات التي وصلت الى اكثر من 90 جنيهاً، وان اسعار الشراء عبر الكاش بلغت نحو 63 جنيها في ظل وجود عزوف عن عمليات البيع والشراء في تداولات السوق الموازية.

ايجاد صيغة مشتركة

ويرى بعض المراقبين للوضع الراهن ان الوضع الاقتصادي لا ينفك عن الوضع السياسي والسعي الى اصلاح الوضع الاقتصادي في مقابل قمع الحريات لن يجدي، وستتواصل الاحتجاجات ولن تقنع المعارضة بهذه المعادلة (الاقتصاد مقابل الحريات) ، وقداعلنت نائب رئيس حزب الامة القومي مريم الصادق المهدي شروع المعارضة في نقاشات تفصيلية حول مهام الفترة الانتقالية وتسمية من يتولون قيادتها وقالت ان اللجنة التنسيقيةالتي تم تشكيلها من مختلف القوى التي وقعت على اعلان الحرية والتغيير تعكف على ترجمة البيان المشترك الذي جرى اعلانه في 21 فبراير الماضي والمتضمن ضرورة تنحي النظام الحاكم والبحث في اليات التنحي والوسائل المؤدية الى هذه الخطوة بجانب كيفية تحقيق السلام والاصلاح الاقتصادي والدستوري، وعليه فانه من الضروري ايجاد صيغة مشتركة وتفاهمات بين الحكومة الجديدة والمتظاهرين والمعارضة حتى يتثنى تنفيذ الاصلاحات الاقتصادية بعيداً عن التوتر الامني في البلاد.

قد يعجبك ايضا