القرارات الأخيرة … انقلاب على الوطني واتفاق على الحكومة الانتقالية

تقرير / آمنة حسن بشير

مضى اكثر من شهرين على اندلاع اول شرارة احتجاج قادها المتظاهرين ضد الحكومة مطالبين بسقوطها تحت شعار “تسقط بس” ، خلال هذه الفترة حدث اضطراب واضح في مواقف الكثير من القيادات السياسية سواء في المعارضة او الحكومة بين مؤيد ومعارض لهذه الاحتجاجات التي صاحبها قتل وعنف واعتقالات للمشاركين فيها او حتى الذين نفذوا وقفات احتجاجية سلمية من صحفيين و محامين واساتذة جامعات واطباء ، وعلى الرغم من ان حركة التظاهرات و تفاعل الشارع معها لم يعد بذات القوة التي بدأت بها الا انها لا تزال مستمرة في جميع انحاء العاصمة ويتم الاعلان عنها بشكل مستمر عبر تجمع المهنيين السودانيين الذي ضم الى جانبه مؤخراً تحالف قوى الاجماع الوطني و قوى نداء السودان .

المشهد الان يعكس استمرار التظاهرات يقابله حشد كبير للقوات الامنية خاصة بعد اعلان حالة الطواريء لمدة عام ، فقد كان خطاب رئيس الجمهورية عمر البشير عكس التوقعات التي انصبت معظمها في اتجاه ان يعلن التنحي عن السلطة ، الا ان القرارات المتعلقة بحل حكومة الوفاق الوطني وحكومات الولايات خلق ضجة جديدة وتكهنات اخرى لما قد سيؤول اليه الوضع في مقبل الايام .

 

صدق التوقعات

ومنذ بداية انطلاق التظاهرات في التاسع عشر من ديسمبر قد وضع عدد من المحللين السياسيين على رأسهم الخبير الاستراتيجي حسن مكي سيناريوهات مختلفة لما قد يؤول اليه الحراك الذي كان من ضمنها لجوء الرئيس إلى إعلان حالة الطوارئ وحكومة عسكرية وهو سيناريو سيئ لأن البلاد ستعود فيه إلى 1989م وستزداد المقاطعة الدولية وهو بالفعل ما حدث يوم الجمعة الماضية ، وعلق بعد اعلان خطاب الرئيس قائلاً “ان الحكومة التي شكلها الرئيس ليست بعيدة عن الاسلاميين كما روج لها ، خاصة بالنسبة للضباط الذين اصبحوا ولاة ولايات فانهم غير بعيدين عن الاتجاه الاسلامي ، وبهذا التعيين اصبح المؤتمر الوطني في الولايات بلا رئيس لان الوالي كان رئيس الحزب بالولاية قبل الاعفاء ، وفيما يخص الازمة الاقتصادية اكد انه ليس هناك اي تباشير للحل ، ولا اعتقد ان الحلول التي جاءت في خطاب الرئيس كافية لتدفق المساعدات الاقتصادية من دول الخليج .

انقلاب ابيض

الموعد المحدد لبث خطاب رئيس الجمهورية يوم الجمعة الماضي كان مقرراً له الساعة الثامنة الا انه تأخر حتى الساعة العاشرة تقريباً مما فتح باب الجدل واسعاً لسبب هذا التأخير ورجحت كثير من المصادر ان هنالك عدم اتفاق بين قيادات النظام حول ما يمكن قوله للشعب السوداني ، و على الرغم من ان القيادي بالحزب الحاكم أمين حسن عمر نفى في تصريحات صحفية ان يكون هناك اي خلافات سوى النقاش المطول الذي دار حول فرض قانون الطواريء ، و وصف حديثه عن قرارات الرئيس بانه انقلاب ابيض ولكنه ليس خروج على الشرعية ولن يخرجوا على الشرعية مهما حدث ، ورفض توصيف ما قام به الرئيس بانها مفاصلة جديدة . الا انه عاد وقال أن الحزب سيختار رئيسًا للحزب في المؤتمر العام القادم الذي تم تاجيله الى ما بعد رمضان ، كما اكد أن المكتب القيادي في الحزب لن ينظر في استقالة مقدمة من الرئيس البشير، و رجح أن يجمد الرئيس رئاسته للمؤتمر الوطني في هذه المرحلة ، وفي ذات الوقت أكّد جاهزية الحزب لاختيار البديل للبشير وان المؤتمر الوطني غير”مفلس” وغني بالقيادات ولن يعجز عن تقديم شخص للرئاسة.

ويرى بعض المراقبين ان حديث امين حسن عمر يوحي بعدم الاتفاق و وقوع خلافات بين الحزب ورئيس الجمهورية خاصة عندما أكّد أن الرئيس لم يشاور الحزب في اختيار النائب الأول للرئيس، أو رئيس الوزراء، أو الولاة العسكر، وأشار إلى أنهم سيتصرفون على أنهم ليسوا من الحزب القائد للحكومة لأن القيادة انتقلت للرئاسة ولم تعد حزبية ، الى جانب حديثه عن ان التيار الإسلامي ليس مستضعفًا، وانه ليس سجادة حتى تمضي فيه وتدوسه دوس” وجزم بأنه لا يستطيع أحد فعل ذلك.

 

تأييد و رفض

وعقب خطاب الرئيس ظهرت موجة من الاراء المختلفة بين التأييد والرفض لهذه لقرارات فقد رأى البعض انها حكيمة وتعمل على حقن الدماء و درءاً للفتنة وهو ما اكد عليه ادم مادبو رئيس التيار العام بحزب الامة القومي “الذي وصف القرارات بانها صائبة وجريئة وانه ليس هناك ما يرضي الجميع لذلك فانها قد تكون مقبولة من فئة ومرفوضة من فئة اخرى ، مؤكدا ان حل حكومة الوفاق يعتبر قراراً صائباً وخطوة ممتازة جدا ستجعل الرئيس في موقف الحياد من الجميع وعلى مسافة متساوية كما ان هذه القرارات ستعمل على تهدئة الشارع” . لكن في المقابل توجد تيار قوي رفض الخطاب و كل ما جاء فيه خاصة فئة المتظاهرين وقيادات المعارضة التي اعتبرت ذلك التفافاً على الواقع اجراءات لا تصب في مصلحة الوطن بقدر ما تعطي النظام فرصة لكسب الوقت ومحاولة لقمع التظاهرات بشكل اكبر عبر قانون الطواريء ، على الرغم من التطمينات التي بثها البرلمان بان هذا القانون لن يحد من حركة المواطنيين وحريتهم وان الغرض منه فقط هو تمكين الاجهزة المختصة للقيام بدورها كاملا ، في حين ان كل المشكلة تكمن في قيام الاجهزة المختصة بدورها حيث يمنحها القانون سلطات واسعة تصل الى استخدام العنف والقاء القبض على المشتبه بهم و تفتيش اي مكان دون اذن .

 

مقترح الحكومة الانتقالية

مقترح الحكومة الانتقالية نادى به عدد من القيادات والمراقبين السياسيين باعتباره الحل الامثل والذي يرضي الجميع ، واكد عليه الاستاذ حسن رزق نائب رئيس حركة الاصلاح الان في حديثه ل “الوان” بقوله ان الحل يكمن في استجابة النظام لحكومة انتقالية او مجلس سيادة وليس حواراً كما ينادي هو لانه لن يلتزم بالاتفاق وفي ذلك تجارب ، لكن تكوين حكومة انتقالية سواء من الاحزاب السياسية او من الهيئات والنقابات هي المخرج من هذا الوضع المتأزم ، خاصة وانه لا مجال للتراجع فالتظاهرات لا تزال مستمرة والحكومة لا تزال تقمعها بالغاز المسيل للدموع والاعتقالات ، واذا فتر عزم المتظاهرين فانه يقابله استنزاف اموال الحكومة بالصرف على عملية الوقوف في وجه هؤلاء الشباب ، لذلك فان النصر حليف الذي يصبر حتى النهاية ، واذا افترضنا ان الحكومة نجحت في انهاء هذه الهبّة فان القادم سيكون اكثر سوءاً لان الاوضاع الاقتصادية والسياسية تتجه الى التدهور اكثر .

ويوافق على ذات الرأي القيادي بالحزب الاتحادي الاصل ميرغني مساعد في حديثه لـ”الوان” انه اتضح من التظاهرات التي عمت مدن السودان المختلفة ان هنالك تنظيم محكم يعمل على تسييرها ولديه مطالب معروفة هي ايقاف انتخابات 2020م  و منع اجراء اي تعديل على الدستور وتطبيق قوانين حرية الصحافة وتكوين حكومة انتقالية ، ويبدو ان الحكومة غير جادة في تلبية هذه المطالب خاصة بعد خطاب الرئيس الاخير ، مع ان هذا الوطن للجميع و الكل لديهم حق في المشاركة في الحكم وليس المؤتمر الوطني فقط والذي جلس على كرسي السلطة ثلاثين عاماً ، وفي حال لم يتم حل الازمة بالشكل السلمي واستمر الوضع كما هو عليه فان الشارع سينفجر وينفرط عقد الامن ، وحتى اذا استطاعت الحكومة اخماد هذه الاحتجاجات فانها ستعود بدرجة اكثر عنفاً ويؤول الوضع الى ما لا يحمد عقباه ، ويضيف ميرغني “يؤسفني جداً ان تتدخل الدول الاخرى في استقرار الوضع على ماهو عليه ببقاء النظام الحاكم وقد استطاعت الحكومة استقطاب هذه الدول (امريكا والاتحاد الاوروبي والدول العربية) وهذه وصمة عار في جبين الاثنين .

 

تغيير حتمي

ويرى بعض المراقبين ان ما يقوم به المتظاهرين سيفضي الى تغيير حتمي وان طالت الفترة الزمنية ، حتى وان رأى البعض ان ما يحدث هو مجرد غلغلة للحكومة

التي تعمل على خفض وتيرة الاحتجاجات او على الاقل تفاعل الشعب معها و ذلك عبر عدة طرق هي العنف وفض التظاهرات بالضرب والغاز المسيل للدموع

والاعتقالات واخيراً اعلان حالة الطواريء لمدة عام كامل الى جانب سعيها في استقطاب الدول العربية والغربية عبر جولات رئيس الجمهورية في الايام الماضية ومحاولة كسب رضاء واقناع المجتمع الدولي بان سبب التظاهرات اقتصادية فقط وان الدعم الاقتصادي سينهي الازمة .

وفي حال استطاعت الحكومة انهاء هذه الاحتجاجات لعدة شهور او حتى سنة فان ما قد يحدث بعدها سيكون اكثر سوءاً وعنفاً بسبب الكبت و خسارة الارواح التي ازهقت ، والعبرة بما حدث في سبتمبر 2013م ثم في ديسمبر 2018م .

وعليه يظل سيناريو الحكومة الانتقالية هو الحل المثالي باتفاق معظم التيارات السياسية ومختلف فئات الشعب السوداني ومن خلال الافادات السابقة من بعض القيادات السياسية الذين اتفقوا على ذات المقترح باعتباره الحل السلمي والاكثر امناً للخروج من هذا الاحتقان.

قد يعجبك ايضا