أحلامنا المجهضة 

عزمي عبد الرازق
ربما يتصدرك الشك تماماً، فتشعر بأنه لا قيمة لك في هذه الحياة، بالقدر المذل الذي يتعمد إهانتك دون وجه حق، وصلبك على خشبة الانتظار دون وجه حق، تريث قليلاً صديقي، فحتى الساعة المعطوبة تصدق في اليوم مرتين .

* تذكر تماماً أن التشبه بالأكرمين فلاح، قد تنفق نصف عمرك في التعليم، والنصف الآخر في نسيان ما تعلمته، وتذكر أن ثمة طفل فقير كان يبيع الموز، هنالك، لم يكترث أحد لوجوده في الجوار الآسيوي، نهض بماليزيا من تحت ركام المجهول، ذلك الرجل الذي شب عن الطوق (زعيماً) هو مهاتير محمد. أما نيوتن فقد كان طالباً فقيراً، بائساً ومطروداً من المدرسة، لم يكن يتوقع _ على الإطلاق _ أن يستلقي تحت ظل شجرة، وتسقط عليه تفاحة، الطبيعي في هذه الحالة أن يلتهمها ويمسح بطنه وينام، استعداداً لعملية الهضم، ولكنه لم يفعل ذلك، بدأ يتأملها شيئاً فشيئاً، يتساءل ويستنتج حتى خرج للوجود بقانون الجاذبية، الأمثلة (على قفى من يشيل).!

* في الخاطر بالطبع ذلك المليونير المتشرد الذي صنع من ذكاءه بالفطرة سلسلة من النجاحات، في الواقع صنع (ود الجبل) كل تلك الثروة من البيع في الأزقة والأسواق، ظل يفترش الأرض ببضائع لا قيمة لها في عالم (البزنس)، حصل على كل الألقاب ولم يحصل على شهادة جامعية، وما المشكلة؟.. فالعقاد صاحب العبقريات لم يحمل (كراسته) ويولي وجهه شطر المدرسة، لكنه عثر على إكسير الحياة، لم يكن ذلك الإكسير سوى كنز لا مرئي يختبئ في عقله، ومع ذلك أنت أكملت دراستك الجامعية، وهذه يعزز حظوظك.

* لست وحدك المولع بالتكنولوجيا، ولكنك لا تصنع منها شيئاً، تذكر دائماً قصة ذلك الفتى المرعب (مارك جوكر بيرج)، طبعاً لا تعرفه، فعندما جلس (مارك) أمام شاشة الكمبيوتر في حجرته بمساكن الطلبة في جامعة هارفارد الأمريكية العريقة، وبدأ يفكر في تصميم موقع ليتواصل عبره مع أصدقائه في الحجرة المجاورة، لم يكن البتة يخطط لشيئ، كان الهدف بالضبط هو ربط هؤلاء الزملاء (بسيرفر) يتمكنون عبره من التواصل مع بعض وإرسال الصور والمقالب.

* (جوكربيرج) صنع بالمصادفة موقع (فيس بوك)، وأطلق في زمن وجيز هذا الاكتشاف العظيم الذي تسبب في سقوط العديد من الأنظمة القاهرة، وحقق به الشاب الذي لم يكمل دراسته الجامعية شهرة واسعة وثروة لم تكن تخطر بباله أبداً، وهو الطالب الذي لم يتذوق طعم (الجاتوه) من قبل، طبعاً كل الذي يهمك أن تعرف حجم الثروة التي حققها، وكذا الحكومة ووزارة المالية تريد أن تعرف، ليعرفوا في الأول أن معظم أبناء هذا الوطن يشعرون بالضياع ولا أحد يبالي بهم، وأنهم ينتظرون الدعوة للمشاركة في صناعة مستقبلهم، الدعوة للتوقيع على وثيقة الحوار، تحت أي مسمى أو جهة، لا تكون كالأحزاب، ولا تتاجر بأحلامهم.

* أنت تحلم بحكومة تعبر عنك وتنتبه إليك حتى لا تمضي نهباً للخسارات الفادحة، ولا يصغي لك غير العدم (أضاعوني وأي فتىً أضاعوا)، فأنت المعني بالمستقبل وأنت المشغول بتفاصيل العرس والسفر والخلاص، وأنت المعدم المحاصر بالأزمات، وأنت الذي تبحث عن عمل، وأنت المطارد في البيت وفي الشارع وفي المقهى، أنت الحلقة المفقودة لتجمعاتهم تلك، لو يعيرونك آذانهم..!! .

* بالطبع نيوتن لا ينتمي لحزب سياسي، ولا مهاتير كان ابن وزير في الحكومة، ولا (جوكربيرج) كان ابن زعيم كبير، ولا الذين احتجوا وتظاهروا كانوا مسيسين، هؤلاء ينتمون إلى الواقع المأزوم وصنعوا من العدم صيتهم، فلماذا لا تنتبه الدولة إليهم؟ وتحاروهم؟ غالب الشباب لا ينتمون إلى أحزاب بعينها ولم يفوضوا جهة ما لتعبر عنهم، فلماذا لا تشملهم دعوات الحوار، دون أن يستولي شخص ما على حقهم .

Comments are closed.