الزعيم الازهري.. (صحن الصيني لا شق لا طق )

آمنة حسن
حكم السودان الكثير من الرؤساء خلال مسيرتة الطويلة منذ خروج المستعمر الانجليزي والى الان ، لكن بمجرد ذكر استقلال السودان و رفع العلم يقفز الى اذهاننا ذلك الزعيم المناضل اسماعيل الازهري ، الذي كانت له بصمة واضحة في تكوين السودان كدولة مستقلة حينما اعلن الاستقلال من داخل البرلمان في التاسع عشر من ديسمبر 1955م ، كان عبقرياً في الرياضيات حين كانت رسالة تخرجه عن «الصفر» وفي اللغة الانجليزية حين ابهر المتحدثين بها عندما رافق جده الى بريطانيا ضمن وفد الولاء للملكة وطلب منه اعضاء الوفد التحدث نيابة عنهم ، كان نزيهاً للدرجة التي جعلته يستدين من الاخرين ليسدد مصروفات اسرته ، بعد تخرجه من كلية غردون عمل بالتدريس ثم تركه ليتفرغ الى العمل السياسي الوطني ، اعتقل عدة مرات بسبب دفاعه عن الديمقراطية التي لم يتنازل عنها حتى وفاته بالسجن ، وخلال هذا البروفايل نورد بعض ملامح من مسيرة هذا الزعيم الزاخرة بالنضال .

ميلاده واسرته
قمنا بزيارة الى منزل العميد ركن معاش / محمد عثمان علي الازهري بحي بيت المال ليحدثنا عن ابن عمه الزعيم الراحل رئيس اول حكومة انتقالية سودانية ، فقال هو اسماعيل الازهري سيد احمد بن اسماعيل الازهري الكبير بن احمد الازهري بن الشيخ اسماعيل الولي . ولد 20 اكتوبر 1900م بالحي المسمى باسم جده السيد المكي (شقيق جده لابيه وقد تأسس هذا الحي في اواخر 1894م متكاملاً . وقد اوضح الرائد زلفو في موسوعته كرري وشيكان ان السيد المكي كان رئيس مشايخ واعيان كردفان كما كان همزة الوصل بينهم وبين المهدي في ذلك الوقت وقد سجلت المخابرات البريطانية انه هو امين سر الامام المهدي والثورة المهدية .
اما الجد المباشر الثالث هو الشيخ اسماعيل الولي والذي انتقلت اسرته من (منصوركتي) في شمال السودان الى الابيض في 1792م وعند الغزو التركي في 1982م تم اعتقال اسماعيل الولي فوجد مناصرة شعبية حول سجن الابيض حتى اطلق سراحه (تاريخ الطريقة الاسماعيلية للدكتور محمد عبدالله ابراهيم) وقد قام الشيخ الولي بنشر الاسلام في كردفان واسس خلاوي في مناطق كندكرو- كندكيرا الشفر والكاشة (نفثات اليراع لمحمد عبدالرحيم محمد) . ولقد اسس الولي الطريقة الاسماعيلية وهي الطريقة الوحيدة السودانية المنشأ . وعن جده المباشر الثاني فهو احمد الازهري الذي اسس لدراسة صلة الارحام بين السودانيين واحفاد السيد العباس (خلاصة الاقتباس – دار الوثائق القومية) .
الاباء المباشرين للزعيم الازهري اسسوا على منحى النيل في جهة منصوركتي ما عرف بمملكة (الدُفار) في العام 1405م ومنهم الشيخ صلاح بن محمد دهمش والملك موسى والملك ناصر والشيخ منصور نفسه مؤسس مدينة منصوركتي وهو جد السيدة ملكة الدار والدة اسماعيل الولي .
الجد المباشر الاول للازهري من ناحية الاب هو اسماعيل الازهري الكبير مفتي السودان 1924م – 1932م وهو الذي تبنى مشكلة اجبار الطلاب السودانيين المسلمين بمدرسة الارسالية الامريكية في امدرمان بحضور دروس الديانة والصلوات عام 1925م وهو في وظيفة مفتي السودان وكان رئيس المجلس في المدرسة الاهلية في السودان (تاريخ السياسة والتعليم في السودان / ناصر السيد). اما الجد المباشر للازهري من ناحية الام فهو اسماعيل المفتي (مفتي في العهد التركي) والمشهور كمؤرخ اسماعيل ود عبدالقادر الكردفاني ولقد كان بوق اعلام الثورة المهدية لكتابيه (سعادة المستهدي في سيرة الامام المهدي – و الطراز المنقوش) .
اما والده سيد احمد الازهري الذي تخرج من الازهر الشريف و درس به وعاد للسودان وعمل في القضاء الشرعي وبعد التقاعد اصبح استاذ في المعهد العلمي وله مؤلف من جزءين في علم المنطق .
بروز قوي
و يروي لنا ابن عمه ان الازهري تلقى تعليمه الاولي بالمنزل وكان الاستاذ الطاهر الشبلي يقوم بتدريسه علم الحساب وعند امتحان الشهادة الابتدائية كان اول الشهادة من منازلهم وتم قبوله بمدرسة امدرمان الاميرية الوسطى ولكنه انتقل مع جده اسماعيل الكبير الى ودمدني عندما بعث قاضياً شرعياً ، وفي 1916م عاد الازهري واكمل دراسته بالمدرسة الاميرية ثم التحق بكلية غردون ، وفي 1919م رافق جده الى برطانيا كمترجم ضمن وفد الولاء للملكة فطلب منه الوفد ان يتحدث نيابة عنهم فخاطب البريطانيين قائلاً (كما جئنا لتهنئة ملكتكم بانتصارها في الحرب فاننا نتوقع مجيئكم لتهنئتنا بخروج الاستعمار وتكوين حكومتنا الوطنية) (مؤتمر الخريجين / محمود بشير محمد بشير) وبذلك اعلن الازهري هدفه الاستراتيجي لفك كماشة الاستعمار الاقوى في عقر داره .
عمل استاذاً بالمدارس الوسطى ، وفي 1927م تم ايفاده الى بيروت للدراسة بالجامعة الامريكية وكانت رسالة تخرجه عن «الصفر» ، اختاره طلاب الجامعة الامريكية رئيساً للرابطة العربية وصار بعد عودته استاذاً في كلية غردون واسس فيها جمعية الاداب والمناظرة وعند انشاء الاحتلال الانجليزي لنادي الخريجين في 1931م اختير سكرتيراً عاماً ثم انتخب اميناً عاماً لمؤتمر الخريجين عند تأسيسه 1938م واصبح رئيسه في 1943م وسعى لان يكون المؤتمر متحدثاً باسم الشعب السوداني لكن سلطات الاحتلال رفضت ذلك . ألف كتابه (الطريق الى البرلمان) وكان ذلك قبل ثماني سنوات من تكوين مؤتمر الخريجين وقبل 23 سنة من اول انتخابات برلمانية وقد تمكن من خلال كتابه ان يقدم شرحاً وافياً وتطبيقاً عملياً لطلاب كلية غردون عن اجراءات تكوين اللجان والياتها . وقد تم بالفعل تكوين اول اتحاد طلاب لكلية غردون ، وقد كان هذا الكتاب هو حجر الاساس للمتعلمين و لتأسيس الجمعيات والاتحادات ثم لجان مؤتمر الخريجين الرئيسية والفرعية بعيداً عن الحزبية والجهوية وقد ابرز الكتاب قيادات النشاط المجتمعي والسياسي والنقابي السري والعلني في ممارسة ديمقراطية حقيقة .
مظاهرات و محاكمات
وفي 1945م تمت محاسبة الازهري ادارياً بواسطة مدير كلية غردون و وزارة المعارف لانه كرر الثناء على السيد مصطفى خالد بجزيرة توتي و وصفه بالزعيم والقائد لانه اعتقل عندما رفض هو و سكان توتي التنازل عن الجزيرة .
وتمت محاكمتة بالسجن في 1946م في مظاهرات ضد الجمعية التشريعية التي عينها المستعمر وتم سجنه مرة اخرى لانه كتب مقالاً ضد الحكومة عن المجاعة التي كانت بشرق السودان ، وتم اعتقاله بجوبا لاكثر من سبعة شهور اثناء فترة حكم الرئيس عبود بسبب رفع مذكرة مطالبين فيها بعودة الديمقراطية وكان هو ضمن عدد من السياسيين .
ترأس اول حزب سياسي سوداني 1947م «حزب الاشقاء» ، و دعا الى اعلان حكومة سودانية ديمقراطية تحت التاج المصري ، ثم انشأ الحزب الديمقراطي الاتحادي 1952م بعد قيام ثورة يوليو في مصر وكان يرفع شعار الاتحاد مع مصر وفي 1953م جرت انتخابات تشريعية فاز بها حزبه واصبح نائباً برلمانياً .
استفتاء السودان
في التاسع من يناير 1954م تم انتخاب الازهري رئيساً للحكومة الانتقالية لتنفيذ اتفاقية دولتي الحكم الثنائي والتي تشمل سودنة الوظائف وجلاء القوات الاجنبية وتم تقرير مصير السودان بالاستفتاء الشعبي اما الاستقلال التام او الارتباط مع مصر خلال ثلاث سنوات تنتهي في 31 / 12 / 1956م وكان الواضح ان الاستعمار يرغب في اطالة امد بقائه في السودان ، وكان الانجليز قد كونوا لجنة من سبع دول لها صلاحية ايقاف عملية الاستفتاء واعادتها مرة اخرى في حالة اعتراض اي قبيلة او جماعة او حزب على نتيجة الاستفتاء ويتم تكرار العملية دون اي قيد زمني وفي حالة حدوث ذلك لابد ان تقع اشياء سالبة في العملية من اغراءات وصراعات بين الاطراف المتنافسة ولكن حصافة السياسيين في ذلك الوقت وعلى رأسهم الازهري تمكنوا من تفادي ذلك باعلان الاستقلال بواسطة النواب من داخل البرلمان .
و قال الازهري في خطاب الاستقلال «اذا انتهى بهذا اليوم واجبنا في كفاحنا التحريري فقد بدأ واجبنا في حماية الاستقلال و صيانة الحرية و بناء نهضتنا الشاملة التي تستهدف خير الامة و رفعة شأنها ولا سبيل لذلك الا بنسيان الماضي وطرح المخاوف وعدم الثقة ، وان نقبل على هذا الواجب الجسيم اخوة متعاونين وبنياناً مرصوصاً يشد بعضه بعضا ، وان نواجه المستقبل كأبناء امة واحدة متماسكة قوية» . اضافة الى مقولته المعروفة (استقلال مثل صحن الصيني لا فيهو شق ولا فيهو طق) .
اما بالنسبة للسودنة فقد ذكر الازهري في مذكراته (بشير محمد سعيد) ان الحاكم العام للسلطة الدستورية العليا حاول ان ينصح الازهري بان تبدأ السودنة من الوظائف الصغرى حتى يظل القادة البريطانيين في وظائفهم العليا لاطول فترة ممكنة لكن الازهري بدأ بالعكس و سودن الوظائف العليا اولاً وجاء بعناصر سودانية متميزة في كل المجالات وعملت مع كل الحكومات المتعاقبة ولم تؤثر عليها الا عملية التطهير والصالح العام بواسطة الحكومات الشمولية .
تأسيس الدولة
انجزت حكومة ازهري مهامها في 23 شهر بدلاً عن ثلاث سنوات ولم يقتصر دورها على المهام المحددة لها بل باشرت بتأسيس مؤسسات الدولة ومن الملفت ان حكومة الازهري اسست وزارة المعادن قبل اعلان تأسيس الجمهورية وكان وزيرها (ابراهيم المحلاوي) . وانهت حكومة ازهري عقد الشراكة مع الحكومة البريطانية في مشروع الجزيرة ليصبح شراكة مع الحكومة السودانية والمزارعين السودانيين مع زيادة مشروعي الجنيد والمناقل ، كما قررت الحكومة ضم كل المدارس الاهلية والتي اسسها مؤتمر الخريجين لتصبح مدارس حكومية و تم ترفيع كلية الخرطوم الجامعية الى جامعة الخرطوم وتوحيد المناهج الدراسية بين الشمال والجنوب وتم تأسيس نواة بنك السودان الذي كان يعرف ب(لجنة العملة) و ديوان المراجع العام واعداد العملة الورقية والمعدنية وكانت قيمة الجنيه اعلى من الاسترليني واكثر من 3 دولارات واكثر من 10 ريالات سعودية . واشارت الاستاذة رقية ابو شوك بصحيفة المجهر الى ان ميزانية حكومة الازهري كانت دون عجز وبفائض .
الغت حكومة ازهري الانتقالية فقرة القبيلة من نموذج شهادة الميلاد والجنسية كما الغت قانون المناطق المقفولة ، و تم تشريع قانون لجان التحقيق لمحاسبة اي مسؤول وهو ساري الى الان ، كما اصدر الازهري امراً بعدم المساس باي من منسوبي الامن الذين كانوا يعملون مع حكومة المستعمر دون الفصل من خدمتهم من اجل المحافظة على تلك الكودار المؤهلة . و من بينهم الضابط الذي كان يقوم بمتابعة ازهري واعتقاله وتقديمه للمحاكمة تم تعيينه لكفاءته سفيراً للسودان بجمهورية مصر ، ولقد كونت حكومة ازهري لجنة لتطوير وتنظيم وتسليح الجيش السوداني في اغسطس 1955م رغم عدم وجود وزارة خارجية سودانية وقامت اللجنة بزيارات الى مصر والهند دول عدم الانحياز و دولتين من المعسكر الغربي انجلترا وفرنسا و دولة من المعسكر الشرقي تشوسلوفاكيا وكان رئيس اللجنة ابراهيم عبود . واسس ازهري علاقة وطيدة بين القوات المسلحة السودانية والجيش الهندي بمساهمة السودان في تأسيس الاكاديمية العسكرية للجيش الهندي بمقاطعة بونا .
سقوط اول حكومة
انتهى دور الازهري كرئيس تنفيذي في الخامس من يوليو 1956م اي بعد ستة اشهر من الاستقلال ، وفي 1957م بالرغم من انه كان في المعارضة الا انه عندما برزت مشكلة حلايب اتصل الازهري بالرئيس جمال عبدالناصر لسحب قواته المصرية من مدينة حلايب وقد تم ذلك دون اي صدام (اسرار الزعامة – مصطفى محمد الحسن) .
انشقت عن الحزب الوطني الاتحادي مجموعة بقيادة زعيم الطائفة الختمية علي الميرغني وكونت حزب الشعب الديمقراطي برئاسة الميرغني فاتفق الاخير مع حزب الامة على تنظيم انتخابات جديدة وتكوين حكومة ائتلافية بين الحزبين وبذلك سقطت حكومة الازهري في 1958م ، و رفض الازهري عرضاً بانقلاب عسكري لاعادته الى السلطة وفي نوفمبر 1959م حدث الانقلاب العسكري بقيادة ابراهيم عبود وعارضه الازهري ودخل السجن .
حكيم افريقيا
سقط انقلاب عبود بعد بثورة اكتوبر 1964م وشكلت حكومة انتقالية ثم جرت انتخابات تشريعية 1965م فانتخب الازهري عضواً في البرلمان و تولى منصب رئيس مجلس السيادة «رئاسة الدولة» ومن ابرز ملامح تلك الفترة انه في مؤتمر المائدة المستديرة الخاص بمشكلة الجنوب حذر الازهري من انفصال الجنوب ، وكان تأسيس جامعة امدرمان الاسلامية ، و في مطلع 1968م تم تكوين اول لجنة قومية لحقوق الانسان في المنطقة العربية والافريقية باسم لجنة السودان القومية لحقوق الانسان برئاسة التجاني الماحي ، و كان مؤتمر القمة العربي بالخرطوم لازالة اثار النكسة ، وفي 23 مايو 1965م تم تكريم الازهري بالكنغو لدوره الكبير في جلاء المرتزقة البيض من افريقيا وكان هو رئيس لجنة حكماء افريقيا التي قامت بتلك المهمة وقد حمله رؤساء 15 دولة في حاملة وهو جالس على مقعد فقد تمكنت لجنته من تجميع المرتزقة البيض واعادتهم الى بلدانهم وكان من بين اعضاء تلك اللجنة هيلاسلاسي وجومو كنياتا واحمد سكتوري .
وفي 25 يوليو 1969م حدث انقلاب جعفر نميري وقام باعتقال الازهري ووضعه في سجن كوبر الى ان توفي 26 اغسطس 1969م . وتوفيت زوجته السيدة مريم سلامة في العام 2015م كما توفي ابنه الوحيد محمد اثر حادث حركة ، ابنته الاستاذة جلاء رئيس الحزب الوطني الاتحادي الموحد .

قد يعجبك ايضا