خالتي فرنسا

عزمي عبد الرازق
< في منزله بضاحية كافوري وقف السفير الفرنسي برونو أوبير أمام حشد من الكاميرات ليقدم مذاق بلاده، لكنه لم ينسى في غمرة حديثه أن يعترف بأن المطعم السوداني مؤهل تماماً ليكون مطعماً عالمياً، ويصف اللحوم السودانية بالجودة، إنها دعاية أخرى تهديها باريس للخرطوم، بجانب اهتمامها بالحضارة السودانية ورغبتها في نفض الغبار عن أثارنا العريقة التي غطى عليها صخب الإعلام المصري .
< لم تتوقف الخرطوم عن محاولات تجسير الهوة بينها وباريس، حتى أنها ما انفكت تعلق أمالها على جسر «بونت ديزارت» قبالة نهر السين، ومع ذلك ظلت فرنسا عصية على الإحاطة، تلعب مع النظام الحاكم بالبيضة والحجر، منذ مطاردة كارلوس، الذي ظل حافز تسليمه _ إلى اليوم_ في طي الكتمان، وحتى دعم السفيرة أميرة قرناص لرئاسة لجنة الأمن الغذائي العالمي بشكل مفاجئ، ودعم عملية السلام عبر منبر الإتحاد الأوربي .
< خلال تلك الحقب مرت مياه كثيرة تحت الجسر، حيث أوت باريس أشهر قائد دارفوري وتحاول هذه الأيام تهدئته، مع تطور ملحوظ بتجفيف نشاط الحركات السودانية المعارضة في باريس، وهنا يمكننا أن نطلق على الشهور الأولى من هذا العام بشهور العسل بين البلدين، ويمكننا أيضاً أن نرصد شواهد التعاون الهائل بين البلدين، تحديداً في المجالات اللإقتصادية، والسعي الدائم لايجاد حلول لمشكلات السودان مع المجتمع الدولي ، خاصة ما يتعلق بالديون .
< منذ أن تسلم السفير الفرنسي برونو أوبير مهامه الدبلوماسية في الخرطوم، عمل على ضبط الأوتار المشدودة بين البلدين، وظل ينفتح على المجتمع بمقدار كبير، وفي الوقت نفسه يفي العلاقة الرسمية حقها، كل ذلك عبر واجهة الإتحاد الأوربي، وانتظم أوبير في لقاءات شملت جميع القوى السياسية، قببيل أن ينتقل بالعمل إلى محاولة تقريب وجهات النظر بين الخرطوم والجبهة الثورية أنذاك، ومغازلة المجتمع المدني، بجانب لعب دور رجل الإطفاء لإخماد نيران الحرب، لكن أكثر ما ظل يؤرق فرنسا، ومن خلفها دول القارة العجوز، أن السودان لموقعه أضحى معبراً لقوافل اللهجرة غير الشرعية، والتي ما انفكت تقلق منام أوربا، هنا كان ثمة مكاشفة بين فرنسا والخرطوم، تناولت الظاهرة وانتقلت إلى أمكانية مكافحتها وعلاجها .
< في نهايات العام «2015» بعثت صحيفة لوموند الفرنسية المحقق الإستقصائي جون تيلون للخرطون، كان تيلون يسعى لهدف واحد، وهو كتابة مقال عن جامعة إفريقيا العالمية، زهاء الشهر أنفقه الرجل ما بين السفارة والجامعة محاولاً جمع الخيوط كلها في يده، أول خيط هو حادثة الطالب النيجيري «أمينو صادق أوقوشي»، المتهم بالتورط في تفجيرات العاصمة النيجيرية أبوجا في أبريل 2014، لكن جون الذي بدا مهموماً أكثر بأثر الجامعة في الحزام الفرانكفوني الإفريقي، إنتهى إلى كتابة مقال بالعنوان «الخرطوم تؤسلم إفريقيا»، من هنا دون شك يمكن وضع الأصابع على جدار مخاوف الفرنسيين، الغريب في رحلة تيلون أنه نجح في تحرير المخاوف التي اشتبكت في ذهنه، واتضح له أن جامعة إفريقيا تسعى إلى نشر الإعتدال والوسطية .
< يمتد الإهتمام أكثر بالأثار السودانية، وتمكين عالم الأثار السويسري شارل بونيه لإنجاز كشوفاته العظيمة بخصوص الحضارة النوبية، وبدعم مباشر من جامعة ليون الفرنسية، وانتاج فيلم وثائقي يحفظ هذا التاريخ العظيم، تم عرضه في معرض اللوفر، والمطلوب الأن أكثر من فرنسا، هو فتح بوابة للسياح الأوربيين للتعرف على حضارة السودانية، بكل ما فيها من عراقة وغموض مثير ومحفز للكشف، وهذا في تقديري أبلغ رد لمن ييستهزؤن بالأثار السودانية، الرد أن نطور علاقتنا بدول الإتحاد الأوربي، ونفتح معهم مجالات أوفر للتعاون الإقتصادي والثقافي، بدلا من تبادل الشتائم والردح مع الإعلام المصري .

قد يعجبك ايضا