لك يا أمي السلام

عزمي عبد الرازق
> في يوم ما سوف تكتشف أن لديك أما لم تحبها بالقدر الكافي، ولم تسأل عنها بالقدر الكافي.. ولم يخنها القلب على ما خانتها الذاكرة .. يرن الهاتف.. تستشعر في صوتها قلق بائن، تنفق من المحبة ما يسعك ويكاد يغطي على الكون، ينسرب لوم رقيق سرعان ما يستقر في الأعماق، بالونة هي الدنيا في عيونها، سحابة من الحنان، الحنان الكثيف، الحنان المبذول لك وللآخرين.. لا يضيرها أن تسأل عنك بلا رجاء في سؤالك عنها، الحب عندها عطاء طويل تنتفي معه أشراط الأخذ.. أنت في الخاطر دائما، خاطرها الرحب الجميل .
> تعود الأيام، تلك الأيام الطفولية الممعنة في البراءة.. تحتشد الذاكرة بها وبالحوش الكبير، ضل الضحى، رأس البيت.. النيمة، رقراق الشمس، الخمارة، طايوق العواسة، النفاج، علوق البهائم، قدح اللوبة، حيطة القصب، السحارة، حبوبة فاطنة، ست نوال، ماما سعاد.. التلفزيون السادة وجنة الأطفال، ماوكلي فتى الأدغال، فولترون، عم شنبو، حذاء سندريلا، والرسومات، كل الصور المحيطة بعالمها القديم .
> ثمة صوت يقطع حبل أحلامك: «قوم يا ولد كمل نومك جوه، الشمس دي بتعمل ليك صداع.. يا بت أبقصي الفطور لي أخوك مقيل في الخلاء» تعود متأبطا جوالا من القش هو علوق العنزة الحلوب.. تعود في شوق للارتماء في حضنها.. لك يا أمي السلام.. تداعب خصلات شعرك، تهدهدك فتغفوا، وتغنى لك بصوت حنون : “النوم تعال سكت الجهال بديك ريال» ويأتي النوم .
> تشعر بنشوة غامرة تطوقك، يرتسم ضوؤها في بؤبؤ عينيك.. عصراً باكراً تبدأ حصة المذاكرة على التبروقة المفروشة، تشخبط قليلاً فتكتشف أنك قد رسمت قلب حبيبتك، قلبها.. قلبها الكبير: “يمة سمعي لي النشيد دا”، ينطلق صوتك ولكنه سرعان ما يختنق، تأتأة: زارع الحقل في البكور عيشك الزهر أخضر.. تأتأة أخرى.. ينسرب صوت من المذياع: أمي يا أجمل كلمة بقولا يا أحلي نشيد يا نغمة جميلة، تردد خلفه بلا وعي.. أمي ترلن.. أمي ترلن.
> فكرة العثور على ملهمتك الأولى، الظل الذي لا يخدش روحك.. يحيرك أنها بكل هذه الصلابة.. يحيرك أنها صبورة على هذا النحو، يحيرك أنها أقوى من كل الرجال.. تشتكي أنت من المرض فتتألم هي، تصرخ أنت فتجزع هي، تغفو أنت فتسهر هي.. تسعل فينجرح حلقها هي.. تصغر فينساب طعم الحليب من حلمتها بين شفتيك.. وحتى لا تساكن الشوارع تخوفك بناس الدم، ذلك الوحش البشري الذي يشرب دماء الأطفال الذين يغضبون أمهاتهم، ولكنه حقيقة لو تعلم !!
> ينهب بكما بوكسي المعيلق ظهر الترع إلى مستشفى أبوعشر، أنت مصاب بالبلهارسيا.. هكذا يرددها الطبيب الصيني، بيبي عيان مدام.. تسمعها تئن، تئن هكذا؛ (كر علي كر علي يا ولدي! هو نحن لاقين من الحواشات شنو غير المرض والغم).. زادك في رحلة العودة تلك الحبوب الصفراء الصغيرة وحلاوة سمسمية وكيلو موز.. يا الله..
> واليوم كم هي جميلة وهى تخطو في العمر، يتنامى حبها في قلبك يوماً بعد يوم… دون إنقطاع.. كالأرض العطشى ترتوي من حنانها، وتخجل من دمعها، وألم عظامها التي تشكو منها بلا فائدة، تخجل من صمتها وحرقة قلبها عليك، ومن أسرارها الإلهية التي لا تُرى ولكنها تُحس، تكبر هي ولكنها لا تكبر في عيونك.. مثل ما أنك لا تكبر في عيونها.. أبداً أبداً، مثل ما أنها تستحق أن تصبح كل أيام العام أعياداً لها .

قد يعجبك ايضا