أشعــار وأسمــــار في حضــــرة واقع مريــــر

< الخرطوم امتلأت والأطراف مُتعبة بالبطالة والريف أعياه الزحف نحو اللا شيء. السودان يا سادتي مُرهَق.. من (يفرُش) تحت شجرة ظليلة اتكاءة لهذا الجسد المتعب لينام من الصباح حتى المساء.. وبينما هو ممدّد أقبِلوا عليه بالمراهم والصنفرة والقطران علّه تداوي هذه الجراح الغائرات، وبعد ذلك أيقظوه بلُطف واسقوه كوباً من الحليب؛ فلعلّ رجل أفريقيا المريض يتداوى وينهض، فالمرهقون ما عرفوا يوماً كيف يفكرون. لم يبق لنا أيها الوطن المتعب غير بعض الكلمات وبعض القريض، ورحم الله الناصر فقد وهب شعره لحياته القصيرة وللسودان..
وقريضي وهبته لحياتي
وحياة البلاد في سنواتِ
فيه ما أحرَزَتْ يداها من الخيرِ
وما ترتجيه من أمنياتِ
فيه ما قد أصابها من بلاءٍ
وعذابٍ على أكفِّ الطغاةِ
فهو قيثارها المفيض بشكواها
ودنيا شؤونها الأخرياتِ
قصة قصيرة جداً
< جلست أسرة حاج أحمد الصنايعي؛ زوجته ميمونة المدرّسة وابنهم الجامعي وابنتهم التي كادت أن تلتحق بالجامعة واثنان من القُصّر.
وضعوا أمامهم العشاء المتواضع
وقبل أن يمدّوا أياديهم المتقشّفة إلى الطعام الزاهد بعد أن سمّوا الله عليه وأثنوا على فضله.. تواردت من تلفازهم القديم جراح العروبة الجديدة..
عشرات القتلى في ليبيا ومئات الجرحى في سوريا وحمامات من الدم المهدر في اليمن.. والقذافي يلعب الشطرنج في وقاحة وصلف وكبرياء
وزهو مجنون.
رفع الأب يده والأم وبقية الصبية.. فقد شبعت الأعين من الدموع واكتسى القلب من رمضاء الأزمة واكتفت الأنفس من لوعة المهانة.
حمل الشاب الجامعي الطعام الذي لم يُمَس، إلى أسرة فقيرة بالجوار
فصَدّه رب العائلة الأرمل الفقير
وقال في صوت كسير «وأيضاً نحن يا مصطفى؛ لا نأكل طعام الأزمة».
قصيدة ويوم ومَواجد
< جمعتني، قبل حين من الدهر، جلسة أدب مع مجموعة من الأصدقاء والأدباء السوريين بفندق رائع بالعاصمة الفيحاء دمشق.. وتحدثنا عن الشعر السوداني وتوقّفوا في الشعر الحديث، وفي محطة النسيب والغزل كما يحلو للأدباء والشعراء وأصحاب المنابر والمشاعر فقرأت عليهم ما أسعفتني به الذاكرة من روائع ما أبدع الراحل صلاح أحمد إبراهيم:
وجعلت الشَّعْرَ كالشلاّلِ
بعضٌ يلزَمُ الكتفَ وبعضٌ يتبعثر
وعلى الأهداب ليلاً يتعثّر
وعلى الأجفان لغزاً لا يفسّر
وعلى الخدّين نوراً يتكسّر
وعلى الأسنان سُكّر
وفَمٌ كالأسد الجوعان زمجر
يُرسل الهمسَ به لحناً معطّر
وينادي شفةً عطشى
وأخرى تتحسّر
وعلى الصدر نوافيرُ جحيمٍ تتفجّر
وحزامٌ في مضِيقٍ كلما قُلتُ قصيرٌ
هوَ.. كان الخِصرُ أصغر
أنا من إفريقيا.. صحرائها الكبرى وخط الاستواء
شحنتني بالحرارات الشموس
وشَوَتْني كالقرابين على نار المجوس
لفحتني فأنا منها كعود الأبنوس..
وتجوّلت معهم في قصائده الأخريات واقتربنا من دنيا المجذوب والتيجاني والعباسي والمتأخرين..
فامتدحوا الشعر السوداني حتى أخجلوني.. ومضوا في أفواههم طعم الخرطوم والشعر اللارنجا.
اتصلوا بي بعدها بأيام مبشّرين بأن غداً يوم افتتاح معرض دمشق للكتاب.. وتجوّلنا فيه يمنةً ويسرى وهم يحدثون أنفسهم باقتناء دواوين شعراء السودان.
< عزيزي القارئ لا تتعجب فإننا لم نجد حينها ديواناً واحداً لشاعر سوداني وهذا أمر مقدور عليه.. ولكن ما هو أغرب وأعجب أننا لم نجد دار نشر سودانية واحدة.
يا سادتي ماذا يُجدي ويفيد هذا الوطن أن نزعم أننا دولة البلاغ إن لم نصنع دار نشر واحدة لسوق كلماته وأبنائه ومَواجده ومواجعه وبُشرياته.
شيء ما
لا تغضب يا أخي ولا تُكثر الاجتماعات ولا تطبع الأوراق ولا تعلّمهم البرنامج ولا تصرف على ورش العمل ولا التدريب لأن (خامة) هؤلاء الرجال أصلاً من القصدير ورخيص الصلصال وعقولهم من دماغ صغار (العتّان) وبالعامية.. (وسيف البالة ما بقطع قدر ما تسِنّو) وبالفصيح «إنك تطالبهم يا سيدي بشيء هو أصلاً ليس عندهم وفاقد الشيء لا يعطيه».
نصيحة آجلة
قالوا له مراراً عليك أن تجدول المبذول للجيب لكنه أبى وقال صارخاً إن الفرح لا يجدول في شهر واحد. أعطاها العطور والسيارة والشقة الديلوكس فأترفها وسدّ عليها أفق الأشياء والأحلام..
وفي ليلة يطرزها الهمبريب ويندلق على محياها القمر
أرسلت العينين الفاترتين وقالت بدلال جارح يا هذا إن الشيء الوحيد الذي ينقصني حبيب في قامتي وحسني وبهائي.. وانزلق في بيداء اللا شيء.. وما اتعس الحبيب حين يترجل حافياً ويبعده الأهيف للصالح العام!!
< هذا الرجل ليس في عينيه شِعر ولا في مشاعره موسيقى ولا في قلبه مديح ولا في روحه أدب فكيف يقابل أدب الدين والدنيا وكيف يدّعي بأنه سوداني..
بنى لزوجته وأبنائه قصراً وبنى في ركنه القصيّ مصلّى ومكتبة.
قال الشاهد إنهم إنشغلوا بنظافة (الكثيف) وانشغل هو بجلاء (اللطيف)!!
< كانت الخدمة المدنية في بلادنا بالخمسينات وما بعدها ترمي بأصدق وأذكى أبنائها إلى الجنوب في مجال الطب والتعليم والإدارة ومن بينهم الشهيد الشاعر الصادق عبد الرحمن الخزرجي وهو من آل الضرير، وكان أستاذاً مؤثراً بالشرق فنُقل إلى الجنوب ورغم ظروفه المانعة فقد لبّى نداء الوطن. وكان شاعراً مجيداً وخطيباً معتّقاً، قتله المتمردون في مدرسة كواجينا وحرقوه مع زملائه. وللرجل قصيدة شهيرة في استقبال الأزهري بالقضارف ما زال يحفظها الكثيرون كأنها قيلت البارحة لطلاوتها:
حيِّ الرئيس فقد زَهَت أنواره لما تبَدَّى
وانثُر عقود الورْدِ حول رِكابه عقداً فعِقدا
ودَعِ الطيور الصادحاتِ ترتّل الإنشاد حمْدا
إنّ القضارف انتشت في عُرسها طرباً وسعْدا
قد قدّمَت فلذاتها لك فديةً وفداً فوَفْدا
قل لي بربِّكَ يا زعيمُ ويا أبا الشعب المفَدَّى
كيف الطغاةُ صرَعْتهم وكسرتهم قيْداً فقيْدا؟
< كان الأستاذ الشاعر اللُّغوي الراحل فراج الطيب شديد الإعتداد بمدرسة الشعر العربي القوي الذي يتوقف عند ابن الرومي أو بالكاد عند أبي الطيب المتنبىء.
ولكنني لاحظت أنه يتوقف يوماً في قصيدة للشاعر السوداني الكبير الراحل بابكر أحمد موسى ويذكره ويذكرها بالخير فتوقف الناس عنده وعندها. فيا ليت شعري ماذا يعرف هذا الجيل عن بابكر أحمد موسى؟! والقصيدة ألقيت عن العقاد عند مقدمه للسودان فكانت تحية بقيت وخلدت..
هي النفس فاسبر غورها واقدَ الفكرِ
وإلا فذَرْها غيرَ مسبورةِ الغَوْرِ
فما البحرُ لجيّاً تلاطم موجُهُ
إذا قِيست النّفسُ العميقة بالبحْرِ
وما الشِّعرُ تقطيع يؤلَّفُ بينهُ
ولكنه ما جاشَ من مُضمرِ الصدرِ
ومَن كانت الدنيا العريضة سِفره
وناهيك بالدنيا العريضة مِن سفرِ
حقيقٌ بأن يدري سرائرَ نفسِهِ
وأسرارَها من حيث يدري ولا يدري
وكيف يرون النُّور أعشى عقولَهم
وكيف يرون الدُّرَ في صَدَف الدُّرِ
فما الشرق يدري ذلك العقل بينهُ
ولا مِصرُ تدري ويحَ مِصركَ مِن مِصرِ..
من يتطوع بالكتابة عن صالون بابكر أحمد موسى الخفي وأحبابه من الساسة والأدباء وظرفاء المدينة.. من؟..

قد يعجبك ايضا