كلمات ضد النسيان

ألف مرة تحدثنا عن إنشاء جمهورية الحي والحارة حيث يستطيع كل المواطنين أن يفعلوا آلاف الأشياء المفيدة والجميلة؛ يملأون المدارس مساءً ويقومون متطوعين بتدريس ما لا يستطيع أن يقوم به المعلمون (الخواص)، يصلحون بيوت المساكين، ويتعاونون على نظافة الحي ويرتبون المعلومة فوق المعلومة والساعد فوق الساعد والفكرة فوق الفكرة ويتآخون..
ولكن للأسف يظل الحي السوداني والحارة السودانية والوقت السوداني في دائرة الصمت أو الأنس المهيض الجناح حتى المساجد أصابها داء التنظير الذي لا فعل بعده.. الناس ياناس، في حاجة مُلحة لشبكة معلومات علي مستوى الحي ترصد كل شيء وتصلح كل شيء وتداوي كل شيء..
حارة وحي وقرية لأدب البلاغ (مش لفتح البلاغ).. متى نعلم أن ننتج الحب والحبوب ونزرع الشجرة ونحفر الحفير ونصادق ابن الوزير مع ابن الخفير؟.. متى نصنع نشيداً جديداً وحزباً جديداً وفرحاً جديداً..
متى تستمر صرخة الخليل إلى الأبد:
عزة قومي كفاك نومك
وكفانا دلال يومك
إنتي يا الكبرتوك
والبنات فاتوك
في القطار الطار
إن عزة يا خليل أفندي فرح، أصبحت الآن لا تنام لأن الأرق قد أضناها، و كذا المقلتين، وأصبحت بدلاً عن الدلال في (الدلالة)، أما القطار فأصبح لا يطير لأن السكة حديد طارت من الذاكرة وطارت من البرنامج.
زواج عرفي.. زواج سري.. زواج مسيار.. نصف زواج.. زواج حسب التساهيل. المهم أن تكون هنالك مفردة زواج مع شوية تدابير، المهم شيء يتجاوز المسافحة والإيدز بستة أقدام وخمس بوصات.
نجح مشروع الجزيرة في الزمان البريطاني لأن الخيال الذي أداره جاء من أكسفورد، وفشل في الزمان السوداني لأن الخيال الذي أداره جاء من معهد شمبات الزراعي!! بالمناسبه أين معهد شمبات وأين فريق شمبات أهو في الثانيه أم في السنترليق؟
ومن أحباب أهل الوسط الذائعي الصيت الصادق حمد ود الحلال (ود آمنة) وله في والدته آمنة هذه شعر عجيب، أرجو أن يمدّنا به الأخ كرار الصديق المحامي أحد أعيان سيال ود فاطر بالبطانة، وإن كُنَّا لا ننسى هجمته المضرية علينا حين تزوج من عفيفات أم درمان ورزق منها الولد وهو لا يبالي.. ولود الحلال:
براق المشابك شال سحابو وكره
أخد الليل وباكر فوق شريطن مرّه
السيل والغرق منع السعية الفرّه
حنتوت أم هبج لبس العمم وانشره
والصادق من الداعين للإستثمار في الثروة الحيوانية، وله سخريات صغيرة في الحواشات والمزارعين (كية في دكتور البوني) ومن لفّ لفه:
أهلك شالوا فوق ضهر العواتي ونيب
وسدر الشيخ نعيم نزلوا المقامو قريب
ناساً من ضروع الصهبة ضايقة حليب
للحواشة كيفن.. نفسهم بتطيب
فإن كانت السخرية قديماً في أمر الحواشات من باب الدعابة، فقد صارت في زمان البترول الكارثة، واقعاً مؤلماً، وأصبح سائر المزارعين نفوسهم لا تطيب لحواشة كساء السودان وطيبه، ولكنهم لا يذكرون للحواشة ولا للجزيرة فضلها.
من أرقّ وأعمق ما قرأته لهذا المحارب الأنصاري البسيط ورجل التعليم الكبير والفيلسوف غير المتوّج تواضعاً، بابكر بدري أبياته :
ألا أيّها الشيبُ الُملِمُ بيَ إبتهجْ
فإنِّي مشوقٌ للوقارِ أسامرُ
قراك لدّي الكف عن كل موجب
حقاراً وإني للكبائر هاجرُ
لئِن فيّ زهدَتْ الغواني تفادياً
فإن فؤادي بالتجارب عامرُ
فعنهُنَّ يغنيني التَفَكُّرُ في الذي
مضى والذي يأتي وما هو حاضرُ
من لطائف الأخ الشاعر هلالي أن شاعراً صديقاً زار صاحب إحدى الإذاعات الناجحة وأصطحبه معه في سيارته ليقطع عليه نصف المشوار، مساعدة وإنسانية فلما ترجَّل قال لصاحب الإذاعة: (ما عندي حق المواصلات) «للشيطة» فقال له كم يكلف المشوار؟ فقال الشاعر في خبث: «مائة ألف»!! فأخرج صاحب الإذاعة محفظته ومنحه المائة ألف، وعندما استلمها الشاعر في حنان، فوجئ بأنه يزيد عليها ألف جنيه أخرى ويقول بسخرية ضاحكاً: «ودا حق المواصلات».. ويجلجل المكان بالقهقهات وتختفي السيارة ذات الدفع الرباعي بعيداً بعيداً بعيداً..
الإخوة كتّاب الأعمدة..
إن الصياغات الودودة الموحّدة تتنزل رغم صلابتها مثل رفيف الحمائم مثلما أن الصياغات الضعيفة المرتجفة تتنزل رغم رقتها الكذوب، مثل الأحجار الصلبة.
قرأت سيرة الإمام الشهيد الحسين بن علي، وقد استوقفه بعض الصحابة قبل الخروج للقتال بأن يترك حفيدات النبي ونساء البيت الطاهر وألا يعرضهن لأذي القتال فصاح البطل في جَلَد وذكاء وبصوت دافق شقّ الوادي والصحارى المجدبات : (لا والله لن تتخلف عنا امرأة أو رجل حتى يعلم الطغاة أن دماءنا وأعراضنا في سبيل الله). وانطلقت القافلة الحزينة.. بكيت ليلاً بكاءً مراً وقلت في نفسي: كان لزاماً أن تولد إيران يوماً ولم أستطع إكمال الكتاب حتى أستعيد أنفاسي، متى؟ لست أدري!!
قال لي صديقي«المفلس» دائماً لم أقرأ عبارة فضحتني مثل عبارة أوسكار وايلد عليه نصف الرحمة فقد قال يوماً :(ليس هنالك فئة تفكر في المال أكثر من الأغنياء إلا طبقة الفقراء!!)
أحد كبار رجال الاعمال وقد امتطى بدلته الأنيقة و أنزل زجاج سيارته المظلّل وقال ممازحاً أحد صبيان الاورنيش : «أيها السعيد لكي أكون مثلك تماماً يجب أن أدفع للمصارف 19 مليار جنيه»!!
أكمل الجملة وأضاءت الاشارة الخضراء وانطلق ولم يفهم صبي الأورنيش السعيد شيئاً !!
هذا الاب له ثلاثة صبيان يعاني منهم لأن الاول ترك الدراسة وآثر الانترنت لوسامته ، والثاني ترك لدموعه الاسترسال وآثر العزلة خوف السقوط لشطارته والثالث يعاني من كل شيء لأنه يخشى من الموت ومن الحياة نظراً لتزَمُّته .. قلت له: وماذا فعلت؟ قال: كنتُ قديماً أنصح لأصبر فصرت الآن أصبر لأنصح.. قلت له: إسعَ ودعك فإن الحياة لا تتوقف من أجل ثلاثة او ثلاثمائة او حتى ثلاثين مليوناً.
إجتمع حزمة من أهل المهن يوما أطباء  ومهندسون وصيادلة وصيارفة وأهل  تقنية وميكانيكا وساسة وزراعة وري وتربة وطيران  وكان بينهم (مساح) عليه سمات الهدوء والحياء، وقد إقترح عليهم أحد الظرفاء أن يحكوا طرفاً ومعانٍ وحكايات من مهنهم وذكرياتهم معها، فصال وجال الجميع خاصة الأطباء والزراعيون وأخيرا تركوا المجال (للمساح) بعد أن أرهقتهم الضحك  والتداعي فيه، فقال: قالوا أن أعرابياً وقع نظره من إمراة موقع شهوة فصار أياماً يلاطفها ويغريها ويعيينه الشيطان حتى قعد منها مقعد الرجل من المرأة فتذكر فجأة معاده وقيامته وحسابه فاستعصم وقام عنها.. وقال: إن من باع جنة عرضها السموات والأرض بفتر بين  رجليك لقليل معرفة (بالمساحة)!! فضجّ الجميع بالضحك، وتدبَّرَ البعض.. ( بالله رأيكم شنو ياناس  المساحة فى هذا الإعرابي أو هذا المساح الأمي !!!) أو قل من هنا بدأ علم المساحة، فهل ياترى اعترف الأطباء بعدها أن نكاتهم هي مجرد روشتات (مضروبة)!! بعد العزبة والعربة والعيادة والعروسة.
لوكان اللصوص يستحقون لقرأت عليهم حكاية الشيخ فرح ودتكتوك الذى دخل عليه اللصوص ولفقره لم يجدوا شيئا وأثناء بحثهم وتفتيشهم إنتبه وكان يقرأ القرأن في الثلث الأخير فرآهم، فقال: يا فتيان هذا الذي تطلبونه بالليل قد طلبناه بالنهار فلم نجده!!! عزيزي القارئ لا تقرأها عليهم هذه فإنهم لا يستحون!!!
ليست الأزمة السياسية وحدها ولكن أيضاً الازمة الاقتصادية تحيق بهذا الوطن المبتلى، ولو حُقّ لنا أن نكتب على مدخل وزارة المالية ووزارة الطاقة لكتبنا:
يا بلد العزاز يوم الكتال يوم زينتك
لكن المَحَل غبَّر مهاوي عسينتك
البازاوي والبطحاني والقِبْلِي المقابل عِينْتك
كبَسَنِّك سوا ومَرَقَن دخاري خزينتك
والبازاوي والبطحاني والقبلي من «شالعات» البرق المعهود في وسط السودان.
لا مشكلة إن صار انقسام السودان كارثة لا مهرب منها، ولكن على الإخوة في الجنوب وخاصة قياداتهم أن يدركوا بأنهم ارتكبوا أكبر جناية في تاريخ القارة.. وعزيزي دينق ألور من هو ذلك الألمعي الذي سيترجم بلغة الدينكا أكثر الأبيات حزناً في تاريخ العربية؟..
ولقد أخلصتهم نُصحي بمنعرج اللّوى
فلم يستيبنوا النُصح إلا ضُحى الغدِ
إنها من أجمل الحقائق التي تصلح للسودان الواحد وللسودان الشمال وللسودان الجنوب مع انها لا تقبل القسمة على اثنين.
كان الراحل سليم اللوزي صاحب الحوادث شديد الأنفة، سخي اليد وسخي القلم والقلب وكان صديقاً لمعظم الرؤساء والملوك العرب وله ملفات عن هذه العواصم يكتبها بلطف يباعد بينها وبين الإعلان فتخرج فسيحا شفيفاً وتحالفاً ما بين الترويج والأدب.. وقد كان عليه الرحمة يبدأ الكبار مداعباً بقوله «كان الحسن بن علي رضي الله عنه يعطي الشعراء، فقيل له في ذلك «أي أُنتقِِد» فقال خير مالك ما وقيّت به عرضك» مع أن الحسن «حاشاه» ماله عرض يُثلم وليس له منقصة حتى يخاف عليها ولكنّها الحكمة.
ومن الهدايا حكمة يتداولها اهل فارس وقد قالها اردشير بن بابك: أربعة تحتاج الى أربعة: الحسب الى الأدب، والسرور الى الامن، والقرابة الى المودة والعقل الى التجربة.

قد يعجبك ايضا