حكايات سودانيـة

(1)
جاء للعاصمة بلا موهبة إلا من بعض الكلمات المقروءة بالكاد فى مدرسة ريفية تقاصر الأداء فيها للحد الأدنى، فأصبح المعلم غير المدرب يعطي التلاميذ كل جهله وقليل من الكتابة وطق الحنك.
عندما وصل المدينة امتحن ساعده فى حمل (المونة) فلم يسعفه.. وامتحن يده فى الخفة لممارسة (النشل) فوجدها دون المستوى، فنال علقة تاريخية التحق بعدها بوحدة شهيرة وسط الخرطوم تعلمه فنون الشحدة، وتعطيه على كل عملية (تن بيرسنت). ولكنه للأسف اكتشف أن امكاناته التعبيرية دون الوسط بكثير، تلفت يمنة ويسرة واضطر أخيراً للصعود الى خشبة المسرح!!
(2)
كان مهندساً ناجحاً وانساناً محبوباً (شيك) وأنيقاً ويعتلى سلم مهنته في نجاح.. عتبة عتبة.. ويحبه الجميع.
غير ان ما يقلق الجميع ادعاؤه العريض بأنه شاعر.. كان يقرأ على الجميع شعراً بعضه (دراب.. وبعضه.. تراب).
ولحياء السودانيين العريض فقد كانوا يسمعونه ويمتدحونه فى كذب أبيض وينصرفون.
اجتمع يوماً مجموعة من اصدقائه وناقشوا سراً مسألة أزمته مع الجميع وازمتهم معه. وقلبوا وجهات النظر المختلفة حول الحلول المتاحة وغير المتاحة التي يمكن ان تستعيد صاحبنا الى الكلام المنثور غير هذه الخزعبلات التي يدمغ بها آذان الجميع، فيتحول في نظرهم من انسان ظريف الي انسان ثقيل الظل.
وبعد رهق وسهر واجتماعات مطولة ارتاحوا لحل طرحه ظريف الشلة. وهو ان هنالك استاذاً للغة العربية درسهم الأدب فى الجامعة وهو من غير معرفته بكل بحور الخليل وفقه اللغة وعلم التفعيلة فإن له باعاً فى النظم والقريض. والأكبر من ذلك واعظم انه صاحب غضبة مضرية وشتيمة لاذعة حاضرة فى وجه كل ادعياء الشعر وصغار المتأدبين.. قلبت الشلة الأمر من كل وجوهه واخيراً أغروه بعرض ديوانه على معلم اللغة العربية (الحمش). وفعلاً رتب صاحبنا نفسه وابترد وتعطر وقبلها تهندم وأخذ فى رفق ديوانه المخطوط المكتوب بعناية فى دفتر خطابات (بمبي) اشتراه خصيصاً لحفظ هذه البدائع!!
رحب به الاستاذ الصريح واقتطع له من زمنه ما يسمح بتصحيح «05» كراساً من انشاء (أولاد الزمن دا) وقرأ معه قصائده واحدة بعد الأخرى.. وكان الاستاذ بعد كل قصيدة تنتابه حالات مختلفة من «المغص» والعرق البارد والانبهار المحدود و«الارتكاريا» وهي نوع من المرض يصيب اساتذة اللغة وسط الجهلة وأهل اللحن والعي..
وعند آخر قصيدة حدق استاذ اللغة ملياً في صديقنا المهندس حتى ارتعدت فرائصه. وقال له كلمة واحدة لم يزد عليها حرفاً، نعم كلمة واحدة وهاج بها قائلاً:
إنت يا ولد (عكروت)!!
وفي سلاسة ومسكنة واحباط حمل صديقنا أوراقه وخرج هارباً لا يلوي على شئ..
ومن يومها لم يقرأ على أحد كائناً من كان قصيدة، بيد انه بين كل خريطة وخريطة وبين كل كروكي وآخر، كان يرفـــع رأســـه فى حيرة ويسأل: إنت يا زميل بالله عكروت دي معناها شنو؟

(3)
ألف مرة حدثوه أثناء البعثة أن يكتب أو يهاتف خطيبته (نعمة) ولو مرة في الشهر. ولكنه فى اصرار عجيب كان يصر بأنه لا داعي لذلك، لأن الذي بينهما أكبر من حركات المراهقين ودغدغة المشاعر الساذجة.
سكتوا مرغمين..
وعندما أكمل الرسالة جاء السودان متلهفاً لاكمال نصف دينه.. وأصر الرفاق على ألا يخوضوا معه في (المصيبة).. استأذن منهم وذهب لزيارة حاج أحمد عبد العزيز الصعيدي والد (نعمة) بمنزلهم الكائن بإحدى حارات أم درمان العريقة.. رحب به الرجل فى ود وحرارة وشرب البارد والساخن وجاءته الحاجة (نعمة الله) والدة نعمة وجاءت اخواتها واخوانها ولكنها لم تأت..
سأل الحاج فى استحياء بعد ان (طقطق) اصابعه عشرات المرات (وطقطقة) الاصابع في لحظات الحرج هى اعظم مهمة ما بعد الأكل والكتابة.
أجاب الحاج فى ثبات كأنه تمرن للحدث مائة مرة قائلاً: والله يا دكتور عمر يا ولدى اقول ليك شنو؟ انقطعت اخبارك ولم ترد منك اشارة لا بالهاتف ولا بالخطابات ولا بالوصايا. والبت جاها ود عمها واتزوجها وهى الحمد لله مع (تيمانا) فى الدوحة.
واختصاراً للزمن كان دكتور عمر فى دقائق فى قلب الشلة، حيث صاح المستهبلون فى دهشة مفتعلة: إن شاء الله خير..
ـ لا والله خير، الحاج قال إنو نعمة اتزوجت وقلنا مبروك..
ـ وبعدين ان شاء الله ما حدثت ليك صدمة؟
ـ لا والله عادى قال لى الحاج الخبر. وبروح رياضية عالية تفهمت الموضوع وقمت لبست عربيتي وركبت نضارتى وجيت كاسح عشان نكمل عشرة الونسة.
وضجت الشلة بالضحك وصار ركوب (النضارة) من يومها مثلاً بأم درمان
للمسكين البدأ يأمل وأملو يغلبو تحقيقو.

قد يعجبك ايضا