ليس المهم ماذا يقول هذا..!!

أصابتني الدهشة للطارق الذي قصد بابي ما بعد منتصف الليل.. الصحافيون الذين يعلمون ولا يعلمون أكثر الناس قلقاً من طوارق الليل وزوار الفجر.
وأقسى ما في خوفهم أنهم غير مستعدين أبداً لأية مفاجأة.. لأن كل شئ عندهم مفتوح وغير مكتمل، ديونهم مفتوحة ورجاءاتهم مفتوحة وأعين أطفالهم وقرائهم مفتوحة أيضاً. وما خفي كان أعظم.. ومن أعظم ما في هذا الخفاء نزع الدريئة وفقدان المنبر والسلاح. يومها يصبح الدفاع عن النفس إعلاناً تحريرياً أو مادة تسجيلية، أو عرفاناً من تلميذ أو زميل ما بدلته الأيام ولا حتى رياح الترغيب والترهيب.
حمدت الله كثيراً حين كان الطارق صديقاً قديماً ثرياً إبن ثري، أكمل معنا الجامعة وهو ملياردير، بعد أن توفى والده وترك له منظومة من التوكيلات الناجحة والأعمال و«العتَب» بفتح التاء ـ والأرصدة الممدودة في أشهر البنوك والعواصم العالمية ولم يترك له منافساً غير أخت واحدة شغلها زوجها الأكاديمي المرموق بعلمه وأطفاله. وشغلتها اهتماماتها في العمل الإنساني والتشكيل والتحفيات. بصراحة لقد تركوا له «الجمل بما حمل» واستطاع هو أن يزيد فيه ويجتهد، فصار ماله تليداً وراسخاً يسد عين الشمس». وقد أعانه في ذلك خلق وعر وقبضة واعية من غير تقتير. وعلم وتدبير أخذه من والده… وقد صدق الفقراء في حق أنفسهم ، فعندما يتحدثون عن أبنائهم يقولون« ود الفار حفار» ، وعندما يتحدثون عن أبناء الاثرياء يقولون «ود الوز عوام».
صديقنا الزائر جاء يسألني بحق الصداقة القديم عن مدير للعلاقات العامة ليشغل الوظيفة الممتازة. وليكون له صديقاً وناصحاً «وجزاني الله خيراً» وانصرف. ولم يبخل حين ذكرني بأن الامتيازات مفتوحة والعربة والراتب والمنزل. وبعد أيام اصطحبت أحد زملاء الفلسفة الذي كان خلوقاً ومهذباً وملتزماً بطريقة «أولاد البلد» يحب الجابري مثلما يحب البرعي.. ويشجع في السياسة والكورة والثقافة «اللعبة الحلوة» يحب الدنيا ويحب الدين. ومعرفته في الممارسة الحزبية.. أنه لا يفرق حتى الآن ما بين المجلس الوطني والمؤتمر الوطني..!! إلا أنني ما زلت أذكر له بحوثاً جادة في الفلسفة والمنطق الرمزي. ومعرفة راسخة بالإنسان السوداني، وفيه وسامة ملحوظة وذوق «وعينو مليانة». وكيف لا وأمه معلمة وأبوه «ناظر وسطى» .. عندما كان مدرس الوسطى «ود القدرة العظيمة». وفعلاً فقد تم تعيينه وفوراً.. ومارس مسؤولياته بعد أن ترك «الميري» دون أن يقدم استقالته، لأن الأسفار الخيال والامتيازات، منعته حتى من مجرد السؤال عن فوائد ما بعد الخدمة.
لم أسأل عن التفاصيل بعدها. ولكن صديقنا رجل الأعمال كان يتصل ما بين حين وآخر يطمئننا بأنه ليس مجرد موظف أو صديق أو حتى ناصح.. «انه هدية جاءته من السماء» .. يشكرنا بعد الله عليها. ورغم فرحي الخفي.. إلا أنني كنت أقول له تحوطا بأنني «لست مسؤولاً عن البضاعة بعد خروجها من المحل».. ونضحك سوياً.. و يدري يقينا أنني أهرب من عبارة ونظرة «الله يلعن الكان السبب». وهي عبارة ونظرة كثيرة التداول والشهرة في أيامنا هذه.
والمفاجأة الثانية كانت حين أطل طارق جديد في نفس الموعد وفي ذات الساعة.. طارق حرك كل المخاوف القديمة .. وبعد أن فتحت الباب سعدت.. فقد وجدت أن ضيفنا الليلي كان مرشحنا الفائز بمنصب رجل العلاقات العامة والصديق الأثير لدى رجل الاعمال الخطير. فقد ظهرت عليه سيماء النعمة والدعة والذوق من لدن «دلاية» العربة حتى «لمعة» الحذاء الإيطالي والعطر الوقور الذي ضمخ شقتنا المتواضعة لأيام. لم ينس أن يعتذر عن تخلفه من زيارتنا. ولكنه ما زال يذكر ترشيحنا وتزكيتنا بامتنان كبير. رفعت عيني في عينه، فأدرك بطول التجريب أنني قصدت أن أقول «هات من الآخر» .. وفعلاً بدأ البوح الهامس الخائف «إنت تعلم يا أستاذ خطورة موقف صديقكم ومديرنا في السوق. وأهمية إسمه في الداخل والخارج». قلت نعم.. وأنا أعلم أيضاً أن إسمه من ذهب وسمعته من بلاتين. وواصل في أدب ورجاء قائلاً: كل ذلك صحيح. ولكن غير الصحيح هذه الهجمة التي تدار ضده في مجالس بعينها.. ويتصدى لها «فلان». وانت بحكم خبراتك الاعلامية والصحفية والسياسية تعرفه.. قلت: نعم أعرفه تماماً أكثر مما يعرف نفسه. تنفس بعدها الصعداء وقال: الحمد لله ، إذاً ما دمت تعرفه فإننا نريد منك أن تساعدنا بأن نضع حداً لهذا التشويه الكاذب والحملة الضارية ضد «الزعيم». وهو الإسم الذي اختاروه لمديرهم وصديقنا في عالم المال والاعمال. سكت برهة واتبعتها بأخريات.. وأنا أقلب سيرة قائد الحملة وطبيعته وطبعه. وبعدها قلت له بعد أن إطمأن قلبي للفتي: الحل الوحيد يا صديقي، هو أن تدعوه ينبح كالكلب، حتى يكل وينفق ما عنده وينفض من حوله الناس، خاصة وأنهم يدركون أنه صاحب غرض وكذاب.
واعترف أنه قد حاورني وداورني في الأمر. وانصرف معتذراً عن الوقت المفاجئ غير المناسب وغير المضروب. وعند الوداع لمحت في عينيه أنه لم يرتح لطرحي وحلولي.. قابلته بعد فترة.. وفعلا كانت الحملة قد ماتت تماما، بل صار مشعل نارها حبيبا للوكيل والتوكيلات وسط دهشة الجميع.
سألت «جوبلز الجديد» عن الذي فعله، فأجاب باختصار وابتسامة «قطعنا يا صديق لسانه» وقبل أن أعلق أضاف «ليس المهم ماذا يقول هذا» ولا يهم إن كان حقا أو باطلا، جميلا او قبيحا، صحيحا أو غير صحيح.. المهم ألا يتحدث أصلا وألا يتآمر.
وحكى الحكاية البليغة التالية، التي تؤكد صحة مرافعته «ألم تسمع يا أستاذ عن قصة النديم الوزير العالم، والصديق الوفي للأمير الحاكم، الذي أعطاه الأمير حبه وقلبه وشواره وملكه من بعد الوفود، واشهد على ذلك الجميع حتى حسده الوزير الثاني، فأصبح يدبر له ويقدر، حتى هداه الشيطان إلى ان يدس بين يدي الأمير ورقة مطوية بإحكام وهو على المائدة يتناول الطعام ويتجاذب أطراف الحديث مع وزيره الأول المقرب «الغافل». فض الأمير الورقة، فوجد العبارة التالية «لقد علمت يا سيدي من أطباء المدينة أن وزيرك هذا الذي يأكل معك في إناء واحد ويشرب معك في قدح واحد، صاحب «برص وحكة لداء قديم» في إبطيه وأفخاذه. وأنه لا يقدر على اطفائها إلا بعد أن يلامسها حتى تدمي.. فما باله يأكل مع السلطان بهذه الأصابع المريضة الملوثة ولا يستحي». حاور الأمير وداور عقله ما بين المصدق والمكذب. واصطبر على نصيحة اقاربه القارصة غير مصدق. وحينما أتى الرجل الأثير والمستشار المقرب وجلس جلسته المعتادة رفع الأمير يده فجأة ونفضها عن الطعام، وقال بصرامة: يا هذا لا تؤاكلني بعد اليوم ولا تزرني، ولا أحب أن أراك، وأمر حرسه بإعطائه مؤونته وألا يعود من جديد. ولم ينتظر حتى التشكيل الوزاري المزمع. وحين ألح الوزير على معرفة السبب، أخرج له الامير الخطاب والقول المفترى، فابتسم الوزير المقرب حين قرأه. وقال قائلاً: «يا أميرنا وسيدنا، هذا والله كله محض افتراء وكذب»، فرد الأمير في وضوح وصرامة «يا هذا إنها كلمة قيلت.. وقد استعظمتها وقد استقذرتك.. فلا تجالسني» ـ صمت طويل ـ بعدها خرج الوزير المسكين.. ولا ذنب له إلا «أنها كلمة قد قيلت».
وأنا أخشى يا صديقي من «الكلمة إذا قيلت» في حق صديقك القديم وفي حق مديري الجديد..
ضحكت ولفني بعدها الابتسام، ثم الصمت حتى التدبر. وقلت لصديق الفلسفة القديم: لو كنت أعلم أنك بكل هذا الرشد لأهديتك ناصحا للقـادة أو للحزب الكبير..
قال لماذا؟ قلت: لأن كل الأزمة لا تخرج عن عبارة الحكاية «إنها كلمة قد قيلت» وقد عجزنا كلنا عن منع تداولها.

قد يعجبك ايضا