فكـرة وحكايــــة

زرت شركة تعمل في مجال الأدوات الطباعية والفنية قبل سنوات في إحدى دول الخليج.. ولي معرفة عمل واهتمامات مع مديرها العام وصاحب أكبر الأسهم فيها.. نظام ودأب وعمالة رائعة وتشغيل واشغال منظمة لا زيادة ولا نقصان في (البني آدم) ولا الأشياء.. ولا تأجيل ولا تسويف كل من في الشركة يخاف عليها لأنه يخاف منها. وكل واحد فيها حريص على ساعاته بالنهار وبالدوام الليلي.. والجميع يتنافسون على قلب العمل وحده فإن في رفعته رفعتهم.
قد يغيب المدير لأشهر بسبب أو لغير سبب.. ولكن النظام هو الذي يعمل وهو الذي يدور ويصنع سلوكه وأخلاقه وأدبه وكوادره.. وهذا هو السر في أن يقوم رجل واحد في هذه البلدان بادارة عشرات الاعمال التي لا يبدو ان هنالك رابطاً بينها إلا الامكانات والتمويل.. فهناك بامطر للزراعة وبامطر للكمبيوتر وبامطر للانتاج الفني وبامطر للتركيزات وبامطر للادوات الرياضية.. ورغم التعدد فإن النظام وسهولة الادارة تجعل من الاعمال نزهة عقل وحركة مقدرات.
ولهذا أسباب تطول.. ولكن تحضرني حكاية واحدة عن صاحبنا الأول، أذكر انني اول ما دخلت عليه وتحادثنا في القصي والقريب، وللرجل حب خاص للسودان، اقتادني لمكتب فخم مجاور لدكتور شاب له رسالة عليا في الاقتصاد وتخصص في التسويق باحدى الجامعات الامريكية الشهيرة.. رحب بنا الشاب بأدب ووداد كبير وأوحت له الشخصية السودانية بمجموعة من الذكريات عن زملاء عمل ودراسة ما زال يذكرهم واحداً واحدا.
ومن الاشياء التي يحتار لها جدا الدكتور، درجات اللون العجيبة التي يتميز بها أهلنا في بلاد السافنا الفقيرة والنفوس الغنية.. وليدلل على عجبه قال لي: هنا في الشركة معنا (زول) عجيب!) قلت له وما العجب في هذا (الزول) قال انه أحمر كالشراكسة وأبيض كالاتراك ولكنه(زول )!!!
وبعد الأخذ والرد في الكثير من القضايا شرح لي بعقلية العالم أهمية التسويق والعلاقات العامة والاتصالات في عالمنا المعاصر.. فهو يرى ان هذا الزمان يصنع كلياته وكله من الجزئيات الدقيقة جدا… فالغرب الآن اصبح يقيم المؤسسات من لغة التلفون ورسالة الفاكس واوراق التعامل، ثم يتنازل الى الرصيد (والخامة) والسمعة والمصالح.. واضاف ان العالم العربي والاسلامي ما زال محاصرا بمشكلة (الاخراج) فكل قضايانا السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية لانها سيئة الاخراج وسيئة التوقيت ولأن اصحاب الشأن لا يتكاملون أبداً في قرار مصيري، فالعسكريون معجبون بقرارات ( الضبط والربط) بعيدا عن (الملكية)، والاقتصاديون معجبون بالنظريات بعيدا عن)الغبش (والتكنوقراط ما زالوا يطبقون ما أنجبته الكتب والقاعات.. والسياسيون ما زالوا يتخيلون أن الحاكم والحاكمية ما زالت صولجاناً وبياناً وتوقيعاً..
والاعلاميون رغم التوصيف اليومي لا يعجبهم (العجب ولا الصيام في رجب).
مع ان القرارات هذه لوحة من كل ما انتجه هؤلاء. ولكن من يجمع الذين تفرقت بهم السبل وتقطعت بهم الاسباب؟ من يجمع هؤلاء من؟
وظل الدكتور الشاب يتحدث وانا اقاطع بعض الاحيان والمدير العام يؤمن على كل كلمة يقولها مدير شركته للتسويق والاتصال والعلاقات العامة. ودعنا الدكتور وتمنينا له بالغ النجاحات واقصى المنى بالانجازات الكبار.
سألت المدير العام سؤالا واحدا وهو: ارى يا سيادة المدير ان مكتب مدير العلاقات العامة والتسويق الشاب في غاية الفخامة والاناقة والرقي والبهاء. وليست هنالك اية علاقة بين مكتبه ومكتبكم البسيط الزاهد.
فرد الرجل بالآتي: (يا صديقي هذا الشاب هو سر نجاح هذه المؤسسة وصاحب عقوداتها الكبار وصفقاتها العظام. وهو المستقطب الاول لمؤسسات الداخل عند الشراء ومؤسسات الخارج عند البيع، انه بحكم الارباح التي يحققها مدير غير متوج.
(واضيف لك شيئا آخر ان هذا الشاب فيلته اجمل من بيتي وعربته احدث. وله في حقيبته تذاكر مفتوحة وحساب مفتوح).
قلت لماذا لا تفعل انت ذلك؟
فقال يا صديقي انا المدير حقا وصاحب الاسهم الكبرى. ولكنني لابد ان اعترف ان علمه وكفاءته في الذي يقوم به اندر واقيم من ادارتي واسهمي. وعدم تقديم هذه الاعترافات هو الذي اضر بنا في العالم العربي والاسلامي. وقال لي المثال التالي: صحيح إنه يصرف بطريقة ينبهني لها مجلس الادارة وتثار حولها الاقاويل في مجال العمل. لان زملاءه من الجيل الذي يتمسك بأن تصرف مليون دولار لتكسب مائة الف دولار. وهو من جيل يصرف 001 مليون ليكسب ملياراً من الدولارات، لذلك فإن الادارة الحديثة لا تهتم كثيرا كم تصرف في سبيل ما ستربح… التفت لي وقال وكيف انتم في السودان؟ لم اجب ولكني قلت سرا نحن في السودان نمتلك 002 مؤسسة حكومية تصرف مليارا لتخسر خمسة مليارات ولا يهم كل ذلك، لان الحاكمية هنا للخدمة المدنية (زينة ربوع الحي). وقال في عجب ومن هي (زينة ربوع الحي)؟ قلت هي و(نظرية الحمار) نظريات انجبها عالمنا وشاعرنا العبادي. قال ومن هو العبادي؟ قلت لتعرف العبادي يجب ان تعرف (العبابدة) ولتعرفهم يجب ان تعرف سلاطين باشا. ولتعرف سلاطين يتوجب عليك معرفة الخليفة والثورة المهدية وجماعة الشوقيين والكتلة الاستقلالية.

قد يعجبك ايضا