أزمـــــة أســــرة أم شعــب…؟!

صبي نحيل وصبية رشيقة شقيقان لا يميزهما عن بقية السودانيين إلا بريق إضافي وسمار استثنائي وقدرة فائقة على التعبير وإبداء الحزن وتقديم الدموع على يدي الموضوع في سخاء عجيب..!
الصبي طالب هندسة بجامعة عريقة والصبية مهندسة كمبيوتر تعمل بمنظمة عالمية تعمل في مجال الغوث والإغاثة الإنسانية.
وقع الاختيار على شخصي لأنني حسب زعمهم أهتم بالمفردة والفكرة في عمودي وبرنامجي، حسبت أنهم سوف يشهران في وجهي أوراق القمسيون الطبي لزميل مريض أو شقيق متبلي باحدى أمراض المناطق الحارة، حيث لا شفاء له إلا في الأردن أو لندن أو ألمانيا كما تدعي هذه الشهادات المتجوِّلة في كل مكاتب الدولة ومكاتب الخيرين وأنصافهم.
وحين لم يفعلا قدرت أنهما سيخرجان عدة وريقات مصورة لخريج أو خريجة يبحث أو تبحث عن عمل الى اليوم رغم التخرج الذي وُثِّق منذ عام 5991م بتخصص متميز في الكيمياء الحيوية أو المعمارة أو الفيزياء أو المحاسبة المشفوعة بعدة دورات في الحاسوب.
أو أنهما سيُخرِجان لي أوراقاً لقطعة سكنية لعائلة مهيضة الجناح صدق لها نصيبها من المليون ميل مربع في (الواق والواق) وأمروها أن تقيم عليها منزلاً لا هي تملك أدواته ولا هي تستطيع أن تصله مجرد الوصول الفيزيائي ولا هي أطلقته للسماسرة ليأكل من خشاش ترابهم، ولا هي تملك تكاليف بدعة الاستبدال أو إبداعاتها.. لكن الذي أخرجوه كان أخطر من كل هذا وأجل قدراً، لقد كانت حكاية ما زلت استعيد وقائعها وأنا غير مصدق، فقد إبتدر الحكاية الطالب الناضح قائلاً نيابة عن شقيقته وعندها تناوبا الأداء في مهارة يحسدان عليها.
والدنا المتوفي قبل 3 سنوات تخرَّج من جامعة الخرطوم في منتصف الستينيات في كلية الآداب وكان متخصصاً في اللغتين العربية والإنجليزية وبعد التخرج أضاف لهما الفرنسية باجادة وعمل في بداية عمره بالسودان وعندما جاءت هجرة الظفرة خرج مع الخارجين الى دولة نفطية وبعد عام جاء الى أهله وتزوَّج من والدتنا وهي زوجة سودانية (مبروكة) تخرَّجت في الثانويات.. ولكنها مثلاً لأخريات لها ذلك الخوف (التاريخي) صوب المنزل (الطابقين) وتأمين تعليم الأبناء وبعض الإرث الذي يحفظهم من عاديات الدهر بالإغتراب، فوجدنا والدنا الطيِّب المكدود يعمل ليل نهار لتحقيق هذه المتطلبات التي لا تكف أُمنا (من تذكريه بها يوماتي) لدرجة الملل وما بين عاصمة النفط والخرطوم كان والدنا يلهث لأكثر من ربع قرن حتى أكمل المنزل الخطير وأسسه وبنى لنا 6 محلات تجارية للإيجار وعربة وبعض المال الذي أبقاه بالعملة الصعبة في صندوق استثماري بأحد المصارف الخليجية.
إننا نعترف بأن الكد والكدح اليومي للوالد و(الدوامين) قد أفقدنا فضيلة اكتشافه ونعترف بأننا تربّينا تحت حصنه بالمراقبة فقط، فقد كان والدنا خفيض الصوت يهمس إذا تحدث.. ولكنه كان قليلاً ما يتحدث تأسُرك عباراته وأفكاره الناضجة، كان يكره الوعظ ولكنه كان يحب النصيحة وغالباً ما كان يوصينا على الإطلاع والصلاة.
كان ذكياً وكريماً وشديد الخلوة مع ذاته وكانت له غرفة في شقتنا بالمهجر يضع فيها مكتبة ضخمة وجهاز كمبيوتر وقرطاسية وأوراقاً لا إنقضاء لها وكان ــ عليه الرحمة ــ يُنظِفها ويُرتِبها بنفسه وكان يمتليء غيظاً إذا قام بهذا العمل أحد غيره، لأنه كان يعتقد أن الأشياء يجب أن تبقى بمزاجه وأن أي تحوير فيها أو تحويل سوف يدمر هذا المزاج.
وقد أسماها (الدهليز) تيمناً بدهليز (توفيق صالح جبريل) الذي عرّفنا به وقرأ لنا من لدن (أفقه وشقفه) قصائد جياد وبتلخيصاته القصار عرفنا بلدنا وشعراءه وادباءه وأخلاقه.
وكان في بعض الأحيان يقرأ علينا بعض أشعاره وقصصه بالعربية والإنجليزية ينتقدها دائماً ويزهد فيها مثل عادة كل السودانيين تجاه إبداعهم.
ونعترف أيضاً بأن والدتنا رغم أنها امرأة متعلمة لم تحاول أبداً أن تقترب من روحه وموهبته بل كانت ترى فيه دائماً هذا المشروع الناجح الذي يلد له ولنا ذلك المستقبل المضمون.
قبل عام من رحيله رفع والدنا فجأة (الراية البيضاء) وأصبح كثير الغياب عن العمل كثير البكاء وكثير الحنين الى السودان ورغم إرادة أمنا واخوته عاد، ونذكر جيداً أنه فرح فرحاً طفولياً حين حطّت الطائرة بمطار الخرطوم ولا زلنا حتى اليوم نذكر دموعه ولثمه لتراب الخرطوم وسط دهشة الركاب.
تقاطرت الأدمع هادرة من الصبي والصبية حتى تقاسما المفردات الباكية لقد رحل والدنا بعد رحلة مريرة مع المرض، رحل وهو يقول لنا بنفس متقطع (وها أنذا أرحل قبل أن أرتوي من بلادي ودون أن أحتفل معكم بأيام التخرج ودون أن أربط لصغيرتي الحريرة والضريرة)، واسترسل في تعب حتى تمنينا أن يصمت من شدة عذابه وعندما صمت مات في يسر مثل نومة الطفل ومثل إفاءة وردة الصباح حين تبلغ رهق المغيب ومنتهى العمر الجميل القصير.
واستطاع الزمن بيده الخشنة ووجهه الواقعي العبوس أن يرتب الأشياء المالية والاجتماعية وخرج الحزن الموحش ليصبح ذكرى مؤلمة تتراءى مثل إضاءة الفنار في بحار الليل وأشواق السفن الضالة.
وقد عوّدت الحياة أبناءها على معاندتها ومصابرتها ومداهنتها ومضت السفينة بأرملة وابن وابنة وإرث أب كادح أعطانا كل ما استطاع ورحل في صمت وشجن.
قبل أيام قمنا بترتيب أوراقه وحقائبه وكتبه ودفاتره فأدهشتنا مجموعة من الكتابات الرائعة والقصص والأشعار التي تبلغ أكثر من ثلاثين مخطوطة، وقد اخترنا منها ديوان شعر ومجموعة قصصية ومقالات في الفن والأدب والحياة لنعرضها عليك.
وأخرجت ابنته المخططوات الـ(3) في رفق فأمسكت بالقرطاس برفق وابتدرت الشعر والقصيدة الأولى ولأن الخط كان أنيقاً وواضحاً فقد أغرتني بأن اقرأها جهراً ـ فعلت ـ فكان والله شعراً تتذوق عسله في لسانك، وعندما أكملنا القصيدة قالت ابنته الذكية جملة كانت بيت القصيدة:
(إن الحزن الذي يلفنا الآن ولن ينقضى حتى نفارق هذه الفانية هو عجزنا في أن نكتشف والدنا حتى نفارق وحزانى لأنه أيضاً لم يستطع أن يكتشف نفسه).
ودّعاني وخرجا..
وأنا الآن مستمتع سراً بهذه الموهبة السودانية الراحلة حتى وصلتني بقية المخطوطات وبعد أن قرزت جملة تساءلت هل هي يا ربي مشكلة شاعر أم هي مشكلة أسرة أم هي أزمة وطن بحاله لا يتسطيع أن يكتشف نفسه، لأن أفراده ومؤسسته أيضاً لا يعرفون؟!

قد يعجبك ايضا