وللكلمـــــات أيضاً تجليـــاتٌ ونبيــذ!

(1)
< قال محمد أحمد أغبش:
( أنا لا أعرف كثيراً فى أرقام الإقتصاد والإحصاءات والموازنات وانخفاض التضخم، ولكن الذى أعرفه تماماً أن راتبى وأنا موظف لأكثر من ربع قرن وفى موقع مرموق لا يكفينى أكثر من ستة أيام ولولا اغتراب ابنى الأكبر والأوسط لأصبحت الآن شحاذاً فى شوارع الخرطوم).. طلبت زوجة الأغبش شراء نصف كيلو لحمة، وبعد أن دفع لها ضحك لأن ثمنه كان مهرها.
(2)
< عشرات الشيوخ محدودي النظر وعشرات المتخصصين فى الدوائر الخاصة والمغلقة من المرتعدين، يفتون لنا ليل نهار فى تصنيف الناس ما بين الوطنية والخيانة، وما بين الإيمان والكفر، ويصوّرون لنا أن مهمتنا الوحيدة أن نُزيل هؤلاء من أمام وجوهنا ولنا عند الله والشعب حسن الجزاء بدون أى فحص إلا عبر نظرهم الضيق، لم يعلمنا أحد قبل المنازلة حسن تفهّم الآخر وإقامة الوشائج قبل السِّنان، ولذلك فإننى أتهم فى التجاوز هذه الثقافة السوداء عن كل هذه المآسى والجرائم وبعدها أسألوا عن ماركة وثقافة المسدس!!!.
(3)
< قال المغترب العائد فى هياج: تصوروا أن ابنى لا يعرف حتى الآن تورشين ولا ود حبوبة ولا الشيخ حسين الزهراء ولا أزهرى ولا المجذوب ولا فرح ودتكتوك ولا أحمد يوسف هاشم ولا خليل فرح، ولا بوابة عبد القيوم، فقال له شقيقه المقيم: تخيل أن ابنى غير المهاجر لا يعرف اسم جده ولا الوزير ولا مدير المدرسة، سرح المغترب فى المقارنة فسكت في رضى وصمت في قبول!!.
(4)
< أنا خريج محاسبة من جامعة محترمة منذ أربع سنوات.. لى خبرة ودراسات فى الكمبيوتر، وأمين جداً لأنني أخاف الله وأخاف السجن وحديث ناس أم درمان القارص.. لم أترك مكاناً للعمل لم أطرقه، إلا أن كل الأبواب قد أوصدت فى وجهى، وأتى كثيرون من جامعات أقل احتراماً، لا يخافون الله ولا يخافون السجن.. قد نالوا وظائف مهمة وتزوجوا وطلقوا وبعضهم تزوج الأولى والثانية وشيدوا الطابق الثاني وأنا ما زلت أنتظر المستحيل، الرجاء نشر هذا الإعلان تحت عبارة (محاسب أمين وود قبائل ومهذب ولكنه للأسف يبحث عن وظيفة في زمان ناضب الحلم، نابض الإحباط!!.
(5)
< عرض مكتبة والده الفقهية كلها فلم يجد مشترياً وعرض بعدها مكتبته الأدبية فلم يجد مشترياً، عرض قسم السير والتاريخ وأخبار الرجال فلم يجد مشترياً، تأكد أن هنالك سراً لأن أغلب هذه الكتب نادرة، وبعد سبعة أيام من البحث والإستقصاء وجد أن كل هذه المجموعات قد أختصرت فى ثلاثة أقراص ليزر فحرّضه هذا على القراءة ودراسة الكمبيوتر، ودخلت الأسفار المتاحف.. ودخل القراء المتاحف، ومحبو الكمبيوتر لا يقرأون لأن الكتاب يحتاج لخلوة غير شرعية.
(6)
< معلم ومعلمة فى قرية سودانية نائية يعلّمان الأطفال صباحاً ويعلمان الكبار مساءً حتى أزالا أمّية القرية تماماً.. وبجانب ممارسة أشرف المهن فالمعلم له مزرعة وهو إمام مسجد، قابلته مرة فسألته عن السعادة فقال : السعادة هي هذا الحب الذى يمنحك له هؤلاء البسطاء، وتحت غطائه ومخافة الله نحسُّ أن إطعامنا من الجوع وأمننا من الخوف هو غاية الحضارات التى لم تجده رغم رهقها وبحثها المضنى. قلت له: هل هذا هو اكتشافكم للسعادة؟ قال مبتسماً : ولكن هذا هو اكتشافنا للريف السوداني الذي لو أدرك الناس والحكومات ما فيه لحاربونا عليه بالسيوف. بالمناسبة لا المحليات ولا نواب المجلس الوطني لهم أدنى علم بهذه الحكاية!!!
(7)
< لا كتاب جديد في السوق ولا مجلة ولا مشروع لذلك.. الجميع لا يفكرون في الأشياء الجميلة لأن كل حراس المال والسطوة يصيحون ما قبل الفجر وفي عز الظلمة «أعداء الثورة قادمون» إنها لحظات القلق المريع، حيث لا تعرف من أين تأكل الكف وأين تؤكل الكتف.
(8)
< الشعراء لا حظ لهم ما بعد عكاظ والمنابر الحرة التى نالها الاستعباد والصوت الواحد إلا الصمت والدواوين البوار أو الغناء.
وللأسف فقد مات الغناء الفصيح فى بلادنا ما بعد وردى والحبيب العائد وما بعد الكابلى وضنين الوعد..
وحظ السياسيين فى الشهرة والتداول مثل حظ الشعراء.. لا سبيل لانجازاتهم وبرامجهم من ذيوع، إلا إذا أصابهم حُب الشعب وهواه، فصاروا شعارات وألحانا وأناشيد بين شفاه الجماهير..
(9)
< البداية الحقيقية هى أن نستوقف بعضنا بعضاً في الشارع ونتساءل في جرأة:
من أنت؟ وماذا تعرف؟ وماذا تنتج؟ ولماذا تعيش؟ وكيف تعيش؟ ولماذا أنت هنا؟؟
هذه الأسئلة الصغيرة تخلق إستبيان الإنسان الملتزم في الحد الأدنى، وتنتقل بالإنسان والسلطة من مرحلة التنظير إلى مرحلة العملية.. تنقلنا من مرحلة الإنسان السائل إلى مرحلة الإنسان الصلب الناضج.. تنقلنا إلى مرحلة المنتج القانع والمقنع..
والمنتِج المقتنِع بأن القليل الحلال هو المقدمة إلى الكفاية والعدل، هو الذي يستطيع الإنتقال من ثقافة: جلابية بيضا مكوية، إلى ثقافة الأبرول الشعبي:
ما سالّي المسيكين والفقير بي فقرو
وما عواس قوالة وما رفيقي بعقرو
وبدخل لجة الوادي البتلِّب صقرو
وقلبي مكجّن الناس السوا وبتنقرو
(10)
< ومن الهدايا..
‎وقال بعض السلف رضي الله عنهم: الكريم محمود الأثر في الدنيا مرْضِي العمل في العقبى يحبه القريب والقاصي ويألفه المتسخط والراضي يفارقه الأعداء واللئام ويصحبه العقلاء والكرام،
‎وما رأيت شيئا أكثر عملاً في نقص كرم الكريم من الفقر سواء كان ذلك بالقلب أو بالموجود
ولقد أنشد المنتصر بن بلال الأنصاري:
لعمرك إن المال قد يجعل الفتى … نسيباً وإن الفقر بالمرء قد يزرْي
ولا رفع النفس الدنيّة كالغِنى … ولا وضع النفس الكريمة كالفقرِ

قد يعجبك ايضا