عزيزي القاريء.. اليوم الخميس

< دخل موظف الاستقبال والعلاقات العامة على السيد مدير الإذاعة السودانية في الخمسينات الأستاذ متولي عيد وهو جاحظ العينين، متقطع الكلمات وقد كان بالكاد يبلع ريقه.. مصيبة بالخارج يا سيدي؛ الفنانة فاطمة الحاج لها شكوى وهى تتميز غيظاً وحنقاً وقد ملأت كلماتها الغاضبات المباني والردهات.. والراحلة بقدر ما كانت رخيمة الصوت إلا أنها كانت »مُلسنة« وفصيحة ولها في ذلك حكايات تُروى.. ورغم الأداء الرائع للموظف ونقله المتقن للمعركة.. إلا أن سيادة المدير لم يحرك فيه كل هذا ساكناً .. لم يرفع رأسه ولم يدر نظراته وإنما ظل عبر نظارته الثابتة الشهيرة يقلب أوراقه ويدقق فيها كأن شيئاً لم يكن..
ضربوا لها موعداً الأسبوع القادم ودعوها تحرر شكواها كتابة .. وما أن خرج الموظف بالقرار حتى هجمت فاطمة كالعاصفة على مكتب متولي وهى ترغي وتزبد:
ـ يا سيادة العميد..
والقلم السعيد
يا ود متولي عيد
وبالمختصر المفيد
اشمعنى أنا وعشوشة
تطلقوا غنانا وتهينوا جنانا
الراجل في الشغل
والمرا في التكل
< لم يعرف ما الذي هزّ متولي ولكنه قام وأجلسها وهدّأ من روعها وكتب شكواها بمثل هذا التوثيق الذي ذكرناه .. ومن ذلك اليوم الذي اشتكت فيه تلك الفنانة الراحلة من» الزمن الميت..« الذي تبث كل الأعمال للمظاليم في تمام الساعة الحادية عشرة تم تسميته في دنيا الإعلام بزمن فاطمة الحاج.. »حديث المرا في التُكُل والراجل في الشغُل«..
< ومن حيث لا تدري فقد وثقت فاطمة الطيبة ونبّهت إلى أن الزمان السوداني يحتاج لدراسة وترتيب وفلسفة تمكّن أمة محمد في الإفادة منه، ومن أخطر الساعات فعلاً في حياتنا هذه الساعة المسماة »حداشر « واخواتها .. ففيها تحلى» القطيعة« بالمنازل وتحلى عطالة الصبيان والصبيات وتصبح البيوت والحارات حينها بلا رقيب.. وتبث الإذاعة والتلفزيون فيها فوائضهما .. بل أن البعض رشحها كأخطر ساعة لأي فوضى سياسية أو عرقية محتملة .. أما في المكاتب فهى ساعة »التعسيلة« بعد أن يكون الفول و»الشاي الأحمر « والمقالات التافهة بالصحف قد سرت في أعصاب الأفندية سريان النار في الهشيم وهى أيضاً ساعة الزوغان للموظفات وطالبات الشراء والفرجة في أسواق العاصمة..
< وهى أيضاً ساعات الإنتظار المُر في المنازل حيث كانت تقتلع الإدارة المركزية تيارها الشحيح فتصعب القراءة والمشاهدة والاستماع والنوم فتحاول الأنفس جاهدة أن تقتلع كينونتها من الأجساد السجون وأنى لها..
وإنها لساعات الدجل والشعوذة وضاربات الودع وضاربي الرمل وأصحاب الآيات التي يشترون بها ثمناً قليلاً.. وهى ساعات القرارات التعذيبية من الجهاز التنفيذي وأصحاب الخدمات، فهى الساعة التي كان يقطع فيها أهل الإدارة كهربتهم القاطعة من أجل الفواتير الباهظة، وهى اللحظة التي ما زال يقطع فيها أهل مياه المدن ماءهم المقطوع، وهى اللحظات التي يصل فيها إعلان المحاكم للكثيرين..
< ومما أعاد لي هذه المرافعة حية بعد أن سكنت في دواخل الناس بفعل التعود و»الغيبوبة المستدامة – « وهى رديف أصيل للديمقراطية المستدامة – أنني ذهبت يوماً لمكتبتنا المتواضعة ببحري لأخذ بعض المراجع والمستندات، وأثناء بحثي المُضني عنها في وسط الأضابير .. سمعت جلبة بالخارج وصياح وصراخ ومشاكسة.. وعندما خرجت وجدت أن نساء العمارة السكنية وأطفالها والعاملين وخادمات المنازل قد تجمعن حول رجلين من أهل الوظائف الدنيا وعاملين، وقد بدءا في الحفر أسفل العمارة السكنية حيث توصيلات السكان لمياه الشرب التي تتصاعد من تحت حتى الطوابق العليا مشفوعة ببعض» الموتورات « التي تعمل لرفع المياه لساعة محدودة في اليوم لملء الصهاريج بعد أن تشرف خدمات المياه بالزيارة المباغتة التي لا يعرفون من »تشرف« وكانوا يتمنون لو عرفوا ولو كانت قاتلة مثل زائرة المتنبئ في رائعته» الحمى«..
< كانت زيارة هذه القافلة الصغيرة » العمال والموظفين « يوم» جمعة المطر « الذي غنى له الصغار والكبار: »هطل المطر ملأ الجداول والحفر « وأضاف التقرير أيضاً حطم الأشجار والأسلاك : وبشتن بيوت المساكين..!
< تخيلوا أنه وفي مثل هذا اليوم المطير يوم عيد الكواكب والناموس، جاء هؤلاء بأمر من »صحة بحري« مفاده أن القطرات المتناثرة من بعض المواسير تضر بالصحة وتسبب الملاريا ولذا فقد أصدر سيادته أمراً بقطع كل التوصيلات والمواسير عن العمارة «والما عاجبو يشرب من البحر … بكت النساء وولول الأطفال واحتجت الخادمات بكل لغات ورطانات دول الجوار.. ولكن العمال كانوا قد أعملوا الطواري والحافرات والسكاكين وقاموا بقطع التوصيلات بصورة أقل ما يقال عنها أنها »بشعة« وقد أسكتوا كل خرطوش جريح بخشبة قديمة وانسحبوا بعد أن تركوا وراءهـم حفرة في حجم الجريمة..
< وقد ذهبت مرافعتي التافهة أدراج الرياح ولم يستمع أحد لرجائى بمراجعة القرار ولم يستمع أحد لرجائى هاتفاًَ بأن هذه التي يقطعونها ويمزقونها إرباً إرباً ليست من ممتلكات الحكومة وإنما هى من ممتلكات هؤلاء التعساء من الرجال والنساء.. وقد أشرت لهم بأن يقطعوا أصل الماء العام» ماء الحكومة « ولكنهم أصروا على قطع »أكباد الناس« تراجعوا كأن البحر وراءهم والعدو أمامهم.. وبعد الفجيعة جرى الناس زرافات ووحدانا واستبدلوا ورقاً بورق وواسطة بواسطة وحلاوة بحلاوة، وعادوا حزانى يترجون أباطرة المكاتب حتى أعادوا الشبكة إلى ما كانت عليه مع فواتير الاسبيرات والرصف والترتيب.
وعادوا منهكين وهم يضحكون في حزن عن صحة البيئة الكسيرة يوم» المطرة الخطيرة..!!«
< تبادلوا فقط النكات واستدانوا من بعضهم البعض وسكتوا ينتظرون قراراً حزيناً جديداً، ظلت الحفرة فاغرة الفم دليل الجرح النفسي العميق ضد القرارات اليومية المؤلمة في شتى المجالات ضد الشعب الفيلسوف.. ولم تكن مصادفة.. أدرت محرك السيارة فكان المقطع الرمزي الذي وقعت عليه الحادثة مثل »قميص عامر « حيث غنى الكابلي الساعة حداشر بديلاً لفاطمة الحاج:
كم دمعة سالت فوق خدود الشمعة
ضوت للقلوب الفي السهر مجتمعة
< مع أن السهر هنا يحتمل الضيق والكدر وتوابعهما ومع أنني كنت شخصياً أنتظر (استحق صدك لأني حبيتك)…
< ومن الهدايا..
قيل: لما عمِي ابن عباس رضي الله عنه، قال:
إن يأخذ الله من عينيّ نورهما
ففي لساني وقلبي منهما نـورُ
قلبي ذكي، وعقلي غير ذي دخل
وفي فمي مقول كالسيف مأثورُ
وقيل لقتادة: ما بال العميان أذكى وأكيس من البصراء؟ فقال: لأن أبصارهم تحولت إلى قلوبهم.
وقال الجاحظ: العميان أحفظ وأذكى، وأذهانهم أقوى وأصفى، لأنهم غير مشتغلي الأفكار بتمييز الأشخاص، ومع النظر يتشعب الفكر، ومع انطباق العين اجتماع اللب.
وكان أبو يعقوب الخزيمي يقول: من فضائل العمى ومحاسنه ومرافِقه: اجتماع الرأي والذهن وقوة الكيس والحفظ، وسقوط الواجب من الحقوق، والأمان من فضول النظر الداعية إلى الذنوب، وفقد النظر إلى الثقلاء والبغضاء، وحسن العوض عن متراخي الوجد في دار الثواب.

قد يعجبك ايضا