محاولة للابتسام في الدقائق الاخيـرة

< السياسة السودانية وتاريخ الساسة السودانيين يحتاج ان يكتب بطريقة دافئة ، ومن خلال الحكايات الصغيرة يمكن ان تخرج مئات المعاني الكبار ، فكان الذين ساهموا في تاريخ السودان لهم الكثير من الاقاصيص والحكايات التي تصلح موضوعا لمئات الاسفار ، بعضها يندرج تحت الظرف ، وبعضها تحت الزهد ، وبعضها تحت التواضع والبساطة ، ولو كانت سير هولاء الساسة تحت دائرة تخصص الاخوة المصريين لاتاحوا للمكتبة العربية المئات من الكتب الموحية والداعية للتفكر والابتسام ، ولكن آفة التجهم والجدية القارصة ، اضاعت علينا مئات الموضوعات اللطيفة التي كان يمكن ان تكون وعاء رائعا لمعرفة اخبار تاريخنا السياسي القديم والحديث .
< ومنذ عهد الخليفة عبد الله ، ظل الناس يتداولون الكثير من النكات والملح رغم صرامة الرجل والمرحلة.
< فمن منا لم يسمع قصة استدعائه للامير النور عنقرة « جرعة عقود السم» الذي وشى به بعض الناس وقالوا له انه يتساهل في خفيف الشراب والصلوات فأرسل الخليفة للفارس ، وبعد ان وصل البلاغ للنور عنقرة البطل ، لبس لامة الحرب وحمل لباسها واستل سيفه وركب حصانه المجرب ، ووقف امام الخليفة مطرزا بالحديد ، وصاح صيحته الشهيرة «الكتلة وين يا خليفة المهدي؟»فرد الخليفة بسؤال يتطاير منه الغضب « بصح يا النور انت مضيع الفرض ؟» ففوجئ الجميع بأن النور ادار فرسه وقال للخليفة من تحت انفه « انا ما اتفقت معاك ياخليفة الامام ما تندهني لي فارغة»
فضحك الخليفة بشهادة الجميع كما لم يضحك من بعد.
< ويحكون قصة العبادي مع الامام عبد الرحمن المهدي، ويقول الراوية ان السيد عبد الرحمن ارسل ابنه الهادي العائد من فكتوريا لمحاسبة مشاريع الانصار بالنيل الابيض، وكان مدير الحسابات ، او كاتب «الدوبيا» الشاعر الفحل ابراهيم العبادي وصديقه، ومنذ القراءة الاولي للدفاتر ، رأي الهادي ان هناك تساهلا في الحسابات يدعو للتساؤل والاتهام والشكوك ، فحمل اوراق المالية وعاد للخرطوم وامر العبادي ورفيقه ان يلحقا به.
< وفي سراي الامام ، حاسبهم حسابا عسيرا ، وطالبهم بإقفال الحسابات ودفع الفرق في كل دفتر ، وحالا. ولم تشفع مرافعة العبادي في الدفاع عن جهالة المزارعين واستحالة المحاسبة في تلك الاصقاع بطريقة علمية ، ولكن الهادي ابى ان يسمع وامهلهم ثلاثة ايام ، خرج العبادي وصديقه وعلي رأسهما الطير ، فلمح الامام عبد الرحمن العبدي خارجا ، فناداه باسمه وقال لهما «باركوا لاخويكم جرجس وعبد المسيح من حي المسالة فقد اشهرا اسلامهما ».
< فقال العبادي في تجهم «يعني عملت شنو للاسلام يا سيدي. انت ادخلت اثنين والهادي اخرج اثنين».
< فضحك الامام عبد الرحمن حتي استلقي علي قفاه وعرف القصة فأصلح ما بين السيد الهادي والعبادي. والعبادي هو القائل:
عهد الروح مضي وسارن قوافلوا المادة
واستلم المجال من بعده عهد الماده
طبق فينا من قانونو ابشع ماده
تتقاذفنا تياراتو جازره وماده
< ومن نكات موسي ود نفاش الذي ذهب في احد الاعياد للسيد علي سائلا حاجته وحاجة اولاده ، فما وجد من السيد علي غير «دعوة مباركة» فجاء غاضبا للسيد عبد الرحمن الذي اشتهر بالكرم وسعة اليد، وصاح فيه «يا موسي حي ترزق» .. فرد عليه موسي «حي، ولكنني لا ارزق يا سيدي» .. فنال حظوته وكسوته وخرج وهو يردد مقولته التي اصبحت حديث المدينة «دعوة ابو علوة تصرف عند ابو عبده».
< وللازهري نكات وملاطفات مع الجميع اشهرها محاولة الصلح التي قام بها بين السيد علي الميرغني ويحيي الفضلي وهي لا تصلح للنشــــر الا بعـد تنقيح.
< اما جعفر نميري فله العشرات من الحكايات التي صنعها والتي صنعت حوله اشهرها حكايته مع محمد البصيري المذيع والصحفي الظريف، التي يحكيها بروحه المرحة فقد قال انه وفي احدي الاحتفالات قام هو بتقديم النميري تحت رتبة اللواء اركان حرب جعفر نميري وكان يومها فريقا فلما انتهي الاحتفال مر به نميري واخذه من اذنه مسافة طويلة، وقال له في همس «انا فريق يا حيوان»؟؟ فرد عليه البصير «انا آسف يا ريس لكن اللواء دي فيها ابوية وذكريات فأرجو المعذرة». فضحك النميري واخلي سبيله. ويضيف البصيري بأن كل قيادات الاعلام من الوزير الي الخفير سألوه «ماذا جري بينه وبين جعفر نميري» .. فقال لهم «ان الرئيس شتمه، وقال له: اوصل بك الحال يا بصيري تجي جوار منزلنا بود نوباوي وما تنزل لتناول وجبة الغداء معنا». فاعتذرت له بأن الوقت غير مناسب، وكان حظه من هذه الفبركة ان برنامجه وضع علي اول قائمة البرامج المجازة في دورة التلفزيون الجديدة .. مع انه قد تلقي خطابا باعفائه في الدورة الجديدة، ويصيح ضاحكا «عالمين تجي بالمركوب».
< اما آخر ما سمعته ان السيد علي عثمان عندما كان وزيرا للتخطيط الاجتماعي ابلغ الفريق البشير بحصول المعوقين علي الميدالية الذهبية في الدورة العربية ، فرد البشير بسرعة «طيب يا علي ما تكسروا لينا الفريق القومي دا معاكم».

قد يعجبك ايضا