لا عودة نعم.. ولكن ما هي الحلول؟!

(1)
البؤس العمومي عندما يعم ويملأ آفاق الرجاء والأنفس، يضطر الكاتب في مرات كثيرة ليراجع نفسه.. هل يا تُرى أكتب عن حزني الخاص أم حزن الوطن العام؟ «واحدين حردانين وواحدين منزوين وواحدين واقعين».
واحدين حدقوا
وواحدين صفقوا
وواحدين لفقوا وواحدين دفقوا
وواحدين ما صدقوا
الخيار أمامكم جبهة معادية للاستعمار، وجبهة معادية للاستقرار.
(2)
طفل سأل والده الموظف صاحب الدخل المحذوف.. ما هو الصراف الآلي يا أبي؟.. سكت الأب.. وعلم الطفل إن في هذه الدنيا العجيبة أسئلة غير قابلة للإجابة.وعندما بلغوا «بيت الطين» التفت نحو صغيره معاتباً «يا ابني لا تسألوا عن أشياء أن تبدْ لكم تسؤكم، رأى الحيرة في عيني الصغير، فرد مبتسماً، أرجو أن ترزق بعد سنوات بأستاذ للغة العربية، يعرف النطق بها، دعك من شرحها.. ويومها سوف تفهم بعض ما عنيت!!
(3)
أبيت الناس.. وأبيت خلاني
خاصمت الكل علشان حباني
وعندما أراد القربى طالبه «الحِبان» بلبن الطير وذهب المعز.. عاد القهقرى للناس والخلان، لتقديم أوراق الاعتماد وتطبيع العلاقات، فقالوا له نأسف لم يكن مجرد تصريح أو خطاب خاص، بل صارت أغنية يرقص عليها السودانيون في بيوت «اللعبة» وأشهار الليالي السعيدة.
رحم الله الفنان الذري والشاعر الجنرال الطاهر ابراهيم، فرغم الغياب الكامل للأول والغياب المحسوب للثاني، فمازالا يوحيان للناس بالامتاع والدهشة والفرح الحزين.
(4)
هذا الوزير محظوظ، لأن وزارته رغم خطورتها عالمياً، إلا أنها في بلادنا ترفل في تيه النسيان، ولذلك فهو مشغول بأحلامه الخاصة، نظراً لاشتغال المحل بحركة المناسبة..
(5)
ومازال الصراع قائماً ما بين الناس والأنفس والهوى. ورغم الأمثلة والاعتبارات، فما زال الصراع جديداً بتجدد الهوى وتجدد الأنفس، وما ينفك العقلاء ينصحون:
إذا ما رأيت المرء يعتاده الهوى
فقد ثكلته عند ذاك ثواكله
وقد أشمت الأعداء جهلاً بنفسه
وقد وجدت فيه مقالاً عواذله
وما يردع النفس اللحوح عن الهوى
من الناس إلا حازم الرأي كامله
(6)
ومن الأخيار الذين يوسعون مواعين السعادة والفرح، ما وجدته في سؤال عبد الله بن المبارك لرجل عابد: متى عيدكم يا هذا؟
قال : كل يوم لا أعصي الله فيه يوم عيد.
(7)
كنا نحفظ أبيات حماد عجرد نضطهد بها الأثرياء الذين يتجولون بلا فكرة. ونزدري الذين ينتظرون حتى قيام الساعة ليبنوا وطناً بإعانات الدول وانفاق الآمر. وكنا نحفظها لأننا نحترم الفقراء الذين بنوا كفاية الحضارات، وظلوا هم رغم الثراء زهاداً:
كم من أخ لك ليس تنكره
ما دمت في دنياك في يسرِ
متصنع لك في مودته
يلقاك بالترحيب والبشرِ
فإذا عدا والدهر ذو غير
دهر عليك عدا مع الدهر
فارفض بإجمال مودة من
يقلي المقل ويعشق المثري
وعليك من حاليه واحدة
في العسر إما كنت واليسر
(8)
٭ الأخ محمد المكي ابراهيم الشاعر وهل هنالك لقب أفخم من هذا.. وكان المعري حينما يتحدث عن الشعراء يذكرهم بأسمائهم وعندما تأتي سيرة المتنبئ لا يقلها بل يقول وقال الشاعر ويورد أشعاره..
عزيزي ود المكي ألست أنت القائل للفرنجة
رياحكم ماسخة عجوز
في بلدي نعطر الهواء بالمديح
روائح الطعام والضيوف من بيوتنا تفوح
والجارة التي يرف بالشباب وجهها الصبوح
ويا عطرها الشفيف ينشق النهار من شذاه
أواه لو مرة أشمه .. أضمه ألمسه .. أراه
أواه لو تفيد النازح الغريب آهـ
ورغم هذا ها أنت غريب عن بلادك.. لائذاً ببلاد الفرنجة.. فمن نلوم بلادنا.. أم الشاعر أم أنفسنا أم أنفسنا الأمارة بالسلوان؟!!
(9)
إحدى قرى الجزيرة العريقة اضطر أهلها أن يبيعوا حواشاتهم وقريتهم للوافدين من غرب أفريقيا ويرحلوا زرافات ووحداناً.. حملوا معهم الأسى والذكريات واسم القرية والأوراق الثبوتية.. وقبل أن يودعوا تلفت القلب وأدمع .. قصة واحدة من مئات الأقاصيص الفاجعة..
(10)
من عادتي أن اتأمل الصفحات الثقافية بالصحف والمجلات.. لان تأملها العابر يغريني بقراءة النصوص الابداعية مباشرة.. لن اقرأ نقداً بنيوياً للظاهرة التكوينية في أشعار السيَّاب.. ولكنني اقرأ حفار القبور وغريب على الخليج وأنشودة المطر.. النص هو الفن من نبعه مباشرة، والصفحات الثقافية بشكلها الحالي وصف غير دقيق لا يقود لموقع النبع.
(11)
٭ في الأحياء الشعبية ومن قلب مساجدها، تتم الكثير من الفتاوى الذكية العميقة واللطيفة وبلغة أولاد البلد.. ومن هذه الحكايات أن أحدهم سأل شيخ الدخيري قائلاً:
يا مولانا عندنا زول أكمل الحج ووقف على عرفة، لكنه لم يزر المدينة ولم يصلِ في مسجد المصطفى.. فهل حجه باطل؟
فأجاب الشيخ مبتسماً: لا حجه غير باطل لكن هو باطل!!! وضجت الحلقة بالضحك.
(12)
أحد يصدق أن العلاج مجاني.. ولا أحد يصدق أن المدارس الأميرية ستعود.. ولا أحد يصدق أن النفاج ستكون له فعالية أبعد من التمثيليات الإذاعية وقصص الأطفال وأشعار الرومانسية الشعبية.. لا عودة نعم.. ولكن ما هى الحلول؟.. فالبكاء على الأطلال لا يطرد الملاريا.. والحديث الماضوي عن المدارس الحكومية لا يطرد الأمية.. والحديث عن الصلات الطيبة لا يعيد عُشرة الأيام.
(13)
قال الشاهد إن مجموعة من العامة كانت تنتظر في مدخل الخرطوم أول قادم لتسأله عن نتيجة كرة قدم ساخنة أحد ابطالها فريق مقدمة مشهور وآخر مشاغب .. وكان من حظهم العاثر أن القادمين كان الشهيد العارف الحافظ الشيخ محمد محجوب حاج النور فصاحوا فيه: مين الغالب يا حاج؟ فقال بطريقته البريئة الطفلة في الاجابة (الغالب الله) .. فهل ما زالت الجماهير والقيادات على السابلة تتساءل: من الغالب يا حاج؟.

قد يعجبك ايضا