منهج للكتابة ضد إيقاع الرتابة

والدنا عليه الرحمة غاضب لأن الخليفة رشح الأمير يونس ود الدكيم لزواج الملكة فكتوريا.. وكان يكمل جملته الحبيبة: (والله هذه من أخطاء الخليفة الكبار؛ يرضى أن تكون حليلة هذا الأمير المجاهد الحافظ هذه النصرانية العجوز؟!!)..

تذكرت عبارته لأن أحد أصدقائنا في حصة الإنشاء كتب يوماً: (كانوا رجالاً مشوا على وجه الشمس فلا تركت هي لهيبها ولا تركوا هم المسير الصعب).

نادوا عليه وأبلغوه بتكليفه بالوزارة، فاستعاذ بالله من الأمانة وقلة حيلته وعلمه وقام بترشيح من هو أفضل منه وأعلم وأتقى وأنقى (أنقى بالمناسبة مهمة جداً)..

لا تصدقوني فهذا مدخل لحكاية قديمة جديدة إسمها (المستحيل)..!

وجدت في سيرة إسحق نيوتن عالم الجاذبية الذي رأى البرتقالة فأدخلها العلم ورآها الآخرون فأدخلوها البطون، وجدته يقول في عبارة أقرب للشعر لست أدري كيف ينظر إليَّ العالم.. أما أنا فإنني أشعر بأنني لم أكن يوماً إلا صبيّاً صغيراً يلعب على ساحل رملي يلهو تارة بالعثور على حصاة أملس من سواها أو صدفة أجمل من أختها.. في حين أن محيط الحقيقة يمتدَّ أمامه.. دون أن يسبر له أي غور.

إن الذي لا يعتبر بالموت لا يعتبر وقد حدثني من لا أشك في شهادته أنه شهد أناساً يدفنون عزيزاً وعلى مقربة من قبره يعقدون صفقة (ذرة)، فقال المشتري للبائع أخشى ألا يكون ناصعاً فأقسم البائع: (علي الطلاق أبيض مثل هذا الكفن).

فتمثلوا إخوتي جلال الموت عند المشهد بالإعتبار والتدبّر وإغلاق الهواتف وفتح الأنفس للقادم المهول، وإذا رجعتم لبيت المتوفّي فلا ترهقوا أهله بالشراب والطعام كأنّ موت الفقيد مأدبة، وقد كنّا لزمان غير بعيد نرى أهل الحارة وقد حملوا زادهم لأهل الميت.. حتى أظلّنا زمان صار الناس يغلقون مطابخهم ومحال القرْي ويطفئون نارهم حيث يجعلون كل الوجبات على أهل الراحل.. وقد صدق قول المثل في حالنا ومآلنا (ميتة وخراب ديار) وصدق أبو العتاهية وهو يذكّر أهل الميسرة والمال والقصور بسقطة الرجل المدوية..

عش ما بدا لك سالماً

في ظل شاهقة القصور

يجري عليك بما أردت

مع الغدو مع البكور

فإذا النفوس تغرغرت

بزفير حشرجة الصدور

فهناك تعلم موقناً

ما كنتَ إلا في غرور

لا تبك أخي القارئ حتى يغمى عليك، ولكن تبدّر الوحدة والوحشة وفراق الأحبة، لتفلح الدنيا لصالح الناس وتصلح نفسك لصالح الناس والدنيا والآخرة.

الناس في الخرطوم يبحثون عن الشوارع، والعربات تبحث عن مساحة للوقوف أو الإستراحة.. والزمان يمضي كالرماد في بلاد لا تبيعه لأنها تنتجه بالمجان.

أجمل ما في أشعار ناظم حكمت، ذلك البحث الملهم عن ديمقراطية الخبز الحافي.. وهي قطعاً ليست إبنة عم ديمقراطية الشعب الحافي.

لولا أنني أحب عيسى والمصطفى وأقرأ القرآن وبعض العهد القديم وأخبار الحرب العالمية الأولى  والثانية وأشاهد أفلام هيتشكوك وأغنيات حليم والكابلي ووردي، وأعتقد في جمال اللون الأسمر والأسود، وأن الإنسان بإطلاقه أولى بالحسنى، وأن العاقبة للمتّقين، لصوّتُّ أيضاً لصالح الإنفصال..

ورغم كل ذلك ومع ذلك فسيقول الجنوبيون نعم للوحدة حتى ولو أعلنت الحركة الإنفصال.. (على كيفي أردد ما أحسُّ به ولا أتعقّله).

كانت في الجامعة مجموعة (عجبني ليهو) تعلّق كل يوم رداً مفحماً على أحدهم من آخر أو من أخرى، ومما أحفظه لهذه المجموعة الظريفة قصة (أبي نواس) الشاعر خفيف الظل (والسفيه).. السفاهة التي أعقبتها توبة.. وكان لنا صديق يحبُّ شِعره ودائماً ما يردّ علينا (نعم كان سفيه لكن ما خايب رجا)..

فقد قالوا والعهدة على الراوي أن أبا نواس قابل فتاة مليحة في الطريق فقال: (ما تصنع الحور بين الدور؟) فقالت قطع أخدر: (ما يصنع الشيطان بين الحيطان) فأفحَمَتْه..

عزيزي القارئ بصراحة؛ أنا خايف أن يصنع الحلنقي بعبارة (ما تصنع الحور بين الدور) أغنية!!…

ولأننا رضينا بالتنازلات في التعليم والتنازلات في الصحة وفي البيئة وفي الحريات وفي الرياضة وفي الصحافة، فقد تشابه علينا البقر فأصبحت أرض ملايين الأميال مربع لا تُشبِع لبناً لأنها تشتهي الماء وعِطر العوادم.

كانت ترتيبات المفوضية سليمة أو غير سليمة، وكانت إجراءات الإستفتاء نزيهة أو غير نزيهة، فالفارق لو قالت الحركة لا أو نعم.

تزوجها طفلة وحملت منه طفلتها الأولى لأنه أغراها بالحليب وعصير البرتقال ولم يجلب لها ولا (دومة ود حامد).. تاجر (التبش) بقريتهم سافر مدّعياً الهجرة والآن غائب منذ سبع سنوات.. لم تتغير البلدة الغبراء لكن هنالك طفلة جديدة تربّي طفلة بالمستحيل.

قابلت خريج لغة عربية وآدابها بتقدير ممتاز لا يعرف رسالة الغفران، ولا ألفية ابن مالك ولا التصوير الفني في القرآن ولا مجلة الرسالة ولا الهادي آدم.. ولا عبدالله الطيب ولا الطيب عبد الله.. تُرى من الذي أحق بالغناء والرثاء بالرائعة العامية:

(يا المصيرك تنجرح بالسلاح

البيهو مرة جرحتني)!

ما زلت أحلم بإصدار كتاب عن الشعراء الأقباط في الأدب السوداني ولكن (نبيل غالي) عامل نايم!!

قد يعجبك ايضا