إلى من يهمه الأمر سلام..!!

< الناس في زماننا يمدحون حتى يفقدون الممدوح ماء الوجه، أو يقدحون فلا يبقون للممدوح وجهاً يرى به الناس.
إنه زمان مات فيه العتاب، وهو أحب عند الله والناس من القدح والمدح.
ومما يعجبني ويستوقفني في ديوان الشعر العربي عتاب أبي تمام لأبي سعيد الطائي:
إذا ما الحاجة انبعثت يداها
جعلت المنع منك لها عقالا
فأين قصائد لي فيك تأبى
وتأنف أن أهان وأن انالا
هي السحر الحلال لمجتليه
ولم أر قبلها سحراً حلالا
< وكان عبد الله الشيخ البشير متخصصاً في المقلين المجيدين من شعراء العربية، ومن بينهم سديف مولى بني هاشم الذي ملأت عينيه نساء الحجاز روعة وحسناً فقال:
وإذا نطقن تخالهن نواظما
دراً يفصل لؤلؤلاً مكنونا
وإذا ابتسمن فإنهن غمامة
أو أقحوان الرمل بات معينا
واذا طرقن طرقن عند حدق المها
ونضلنهن محاجراً وجفونا
وكأن أجياد الظباء تمدها
وخصورهن لطافة ولدونا
وأصبح ما رأت العيون محاجرا
ولهن أمراض ما رأيت عيونا
< مات عنها صديقنا المحب وترك لها مجموعة من الصبية ومالاً يكفيها ويكفيهم .. لكنها تزوجت من بعده .. وفي شارع الجمهورية رفعت لي يدا مخضوبة وسلمت علي بابتسام .. فأطل هو عليه الرحمة .. وغادرت بسيارتها مسرعة.. قلت لنفسي لا تحزن فإن الذي تم من بعض (الحلال) المباح والمتاح، ولكن المرأة مظلومة أبداً عند (واو الجماعة) لأنه أفصح. وأطلت الأبيات المتمردة.
تمتع لها ما ساعفتك ولا يكن
عليك شجى في الصدر حين تبين
وإن هي اعطتك الليان فإنها
لآخر من خلانها ستلين
وان حلفت لا ينقض النأي عهدها
فليس لمضضوب البنان يمين.
< ومن لطائف الفاروق الشهيد غير قوته في الحق وعدله، معرفته بالحكمة والشعر. وقالوا في أحاديث العرب ولياليهم إن بني عجلان استعدوا على النجاشي عمر بن الخطاب، لما قال شعراً ظنوا انه قد هجاهم به، فأقعدهم عمر وقال وما قال فيكم؟ فأنشدوه قوله:
إذا الله عادى أهل لؤم ورقة
فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل
فقال: إن الله لا يعادي مسلماً.
قالوا فقد قال:
قبيلة لا يغدرون بذمة.
ولا يظلمون الناس حبة خردل
فقال: وودت أن آل الخطاب كانوا كذلك.
قالوا: فقد قال:
تعاف الكلاب الضاريات لحومهم
وتأكل من عوف بن كعب بن نهشل.
فقال: كفى ضياعاً من تأكل الكلاب لحمه.
قالوا: فقد قال:
ولا يردون الماء إلا عشية
اذا صدر الوراد عن كل منهل
فقال: ذلك اصفى للماء وأقل للزحام
قالوا: فقد قال:
وما سمي العجلان إلا لقوله:
خذ القعب واحلب أيها العبد وأعجل
فقال: سيد القوم خادمهم.
ومن بعد عقب صاحب زهر الآداب مبتسماً:
كان عمر رضي الله عنه أعلم بما في هذا الشعر، ولكنه درأ الحدود بالشبهات.
< وما ذكر الفرزدق إلا وذكر الهجاء، وكان خالص هجائه للحكام والولاة، ولو جاء في زماننا هذا لتم تعيينه مستشاراً اعلامياً بالحكم الاتحادي خوف لسانه ومرافعاته التي تذهب بين الناس مسرى الرياح، وقد هجا الفرزق ابن هبيرة وحرض عليه يزيد بن عبد الله الملك الامير:
امير المؤمنين لأنت مرء
أمين لست بالطبع الحريص
أوليت العراق ورافديه
فزارياً احذ يد القميص
ولم يك قبلها راعي مخاض
ليأمنه علي وركي قلوص
تفيهق بالعراق أبو المثني
وعلم قومه أكل الخبيص
< وقد كثر الهجاء في النميريين وقد قال بعض النميريين يجيب جريراً عن شعره:
غير جمرة العرب التي
لم تزل في الحرب تلتهب التهابا
وإني إذ أسب بها كليباً
فتحت عليهم للخسف بابا
ولو لا أن يقال هجا نميراً
ولم يسمع لشاعرهم جوابا
رغبنا عن هجاء بني كليب
وكيف يشاتم الناس الكلابا
أين تسهر هذا المساء؟
< في أيام المويلح وجنوب أمدرمان والمحل والقحط يضرب الريف وقبائل كردفان الوسيمة كانت الأيام يومها بلا أمل لكن الشعر وانتخابه كان سيد المنابر.. كان الشعر قطرة ماء على الاوجه المرهقة ولقمة غير سائغة لكنها معقولة، حيث كانت تأتي يسرا من الكرام أهل الطعام.. كانت المنابر يومها تعج بأشعار الجميع منذ الشنفرى مروراً بطه الضرير وصعاليك الشعر الحديث مطر ومظفر النواب وصديقنا البرغوثي.
جفت..
فلا ثمر على شجر
ولا عشب على نهر تخضره الضفاف
جفت
سقيناها نفوسنا والعلاقات الجميلة
والاحبة والطفولة
وانسكبنا
كنا.. نكون لها الغمامة وانسكبنا
نسقي نوزع ماءنا دمنا
ونحلم بالمواعيد البعيدة والقطاف
فاذا بها سبع عجاف بعدها سبع عجاف
هل من مزيد تبتغين هطوله؟
من أين سمنتهم إذن؟
لسنا نعاتب
نحن من جئنا خفافاً
لا مغانم تثقل الأكتاف
ندري
إن سرك أخضر
لكن من سرقوا الغمامة
عاتبوك على الجفاف

قد يعجبك ايضا