روشتة للخلاص من طول الأمل وسارس الصدور..!!

٭ لقد جربت كثيراً أن التفت صوب القبر الوحيد والخطى تتسارع هاربة من المقبرة، أنا أبحث عن المغزى وحفار القبور يبحث عن موقع فارغ يسده بجسد كان قبل لحظات طرياً. إنه الموت المعنى الخطير الذي نهرب منه دون أن نحدق فيه، إنه نقيض الخلود الذي نبحث عنه في النساء والأبناء والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة.. إنه الموت الذي نحاول أن نهرب منه بالخلود الذي نجفل من ذكره أمام أنفسنا وأمام أصدقائنا وأمام دائرتنا الصغيرة من الخلان والأصفياء.. لم يعلمنا أحد بطريقة واقعية كيف نتعامل معه، فالذين خبروه جعلوا الدنيا من وراء ظهورهم سكنوا المغارات وأكلوا من خشاش الأرض والينابيع البعيدة حافلة الغور وجعلوا أنيسهم الوحش والطير والسحابات العوابر..
لهف نفسي على فاطمة بنت عبد الملك التي تدخل آخر الليل على عمر بن عبد العزيز زوجها المهيب فتجد أن عينيه قد تورمتا من الدمع وصدره قد تقطع من النشيج وثلة من العلماء يخبرونه عن عذاب القبر ووقفة الساعة وانتظار الحساب فتبكي متوسلة: «ألا تشفقون على الرجل الذي طواه الحزن؟ فيقول: دعيهم يا فاطمة فإن ذكر الموت يرقق القلب».. وا لهف نفسي عليك يا عمر وهل هناك من هم أشد منك رقة وألهف من نفسك وفؤادك يا من ملأت الأرض عدلاً وصفاءً، وزهداً وثراءً في أقل من ثلاثة أعوام كانت هي كل شهور خلافتك الوضيئة؟..
وقد صنع الموت قلائد من الحكايا والأقوال والمرائي بل صنع حيوات وعوالم، والخلص من الناس يحسبون أنفسهم يعيشون أبداً أو يموتون غداً.. إنه الترياق وشفاء الأنفس الغلاظ وروشتة الخلاص من طول الأمل وسارس الصدور الخوالي من دبيب التراب وتراب الهوام ودود المنايا.
ومن الحكايات التي كان يمليها علينا صديقنا إمام المهاجر الأديب، حكاية هارون الرشيد حين حج ماشياً بسبب «غادر» جارية أخيه موسى الهادي فقد كانت حبيبة قلبه وأحظى الناس لديه وكانت فوق ذلك من أحسن الناس وجهاً وأجمل الأصوات غناءً.. قال الأشهاد إنه كان يوماً في مجلس أنس فتغير فجأة وبكى وتمزق حتى ساء له الناس فأجاب «إنه قد وقع في قلبي أن جاريتي غادر سوف يتزوجها من بعدي هارون».. فدعوا له بطول العمر والبقاء ودعوا لأمير المؤمنين حتى ذهب عنه الكدر فاستدعى من بعد ذلك هارون بعد أن لفه الكدر مرة ثانية فقال لهارون ما يزيل الهم من نفسي إلا أن تعدني وتقسم ألا تقربها حين أموت، فاستعظم هارون ذلك وأقسم وطيب خاطره وقال ما يقال في تلك المواقف.. وحلف ما يحلف به الناس من قسم مغلظ وطلاق وعتاق وحج وصدقة وأشياء مؤكدة فسكنت نفس الهادي وقرت بلابله.. ودخل أيضاً على الجارية فأحلفها وأثقل عليها في الوعود والعهود ولم يلبث بعدها إلا شهراً ثم مات فلما جاءت الخلافة إلى هارون تجرجر أذيالها.. أرسل للجارية «غادر» يخطبها فأجفلت وقالت يا سيدي كيف بأيمانك وقسمك وكيف بأيماني وقسمي؟ فقال أحلف بكل شئ حلفت به من الصدقة والعتق وغيرهما إلا تزوجتك فتزوج وحج ماشياً ليمينه وشغف بها أكثر من أخيه فهي يبدو أنها من سلالة اللائي ضربن قلب ود ضحوية:
ونحن نهاتي لا بنرقد ولا بنرقد
الخلاني يا الساحر تملي مسقد
فرق العنقو باهي ودوفو مو متعقد
فقد قالوا إنها كانت تنام فيضجع رأسها في حجره ولا يتحرك حتى تنتبه يفعل ذلك وهو صاحب الخلافة التي لا تغيب عنها الشمس ولا تهرب منها سحابة.. وبينما هي ذات ليلة نائمة إذ انتبهت فزعة فقال لها الخليفة العاشق مالك؟!! قالت رأيت أخاك الهادي في المنام الساعة وهو يقول دامعاً:
أخلفتِ وعدَكِ بعدما
جاورتُ سكان المقابر
ونسيتني وحنثتِ في
أيمانك الكذب الفواجر
فظللتَ في أهل البلاد
وعُدتِ في الحور الغرائر
ونكحت «غادر»أخي
صدق الذي سماك غادر
لا يهتك الألف الجديد
ولا تذر عنك الدوائر
ولحقت بي قبل الصباح
وصرت حيث غدوت صائر
بكت غادر المكلومة بين يدي هارون وقالت والله يا أمير المؤمنين فكأنما هي مكتوبة في قلبي ما نسيت منها كلمة فقال لها هارون الرشيد هذه يا غادر يا حبيبتي أضغاث أحلام فقالت كلا والله لا أملك نفسي يا أمير المؤمنين وما زالت ترتعد حتى ماتت بعد ساعة..
آلاف الأقاصيص عن الموت في شتى صوره وأشكاله وقاماته ومقاماته.. لكنه الموت الرائع المشهود في حضرة الخليفة الحافظ والعالم والشاعر والمقاتل والحكيم والعاشق والفقيه والاستراتيجي.. آلاف الحكايا التي ملأت الكتب والأيام .. أين هو من أمراء اليوم الذين لا يعرف عنهم إلا لحظة الميلاد على الكرسي ولحظة الطرد والتجريد من الرتبة.

قد يعجبك ايضا