متى سيُقام حفل الشاي الأول للوزارة الجديدة..؟

< كان المثقفون في بداية تكوين الأحزاب السودانية حساباً وحسبة يُعدّون على أصابع اليد الواحدة، ولذلك اجتهدت الأحزاب الاتحادية المتحالفة تحت رعاية مصر، أن تستقطب أكثرهم. ولاجتهادها المقدّر هذا فقد أبقت على قلّة لمجموعة الأحزاب الاستقلالية التي كان يقودها حزب الأمة وطائفة الأنصار بلا ملك ولا رهق.
كان الاتحاديون يُغرّون بالقاهرة أم الدنيا، وأولئك يُغرّون بالبذرة عاصمة الضباب والإياب..
< قال الشاهد إن نخبة من أبناء الأنصار استقطبوا ذات مرة اثنين من شباب أسرة شهيرة من الأقلية (البيضاء) والتي يدّعي البعض، غير مستوثقين، بأنها (الحمرة الأباها المهدي) عليه السلام، مع أن كل الشواهد كانت تكذّب ذلك، خاصة بعد فتح الخرطوم وانتشار الزواج والتسرّي في عاصمة الأتراك.
أقامت النخبة الأنصارية حفلة شاي مشهودة للشابين. وكما هو معلوم فإن بيوت الأنصار الأثرياء كانت تعجُّ بمباهج مثل هذه الحفلات على النمط السكسوني في ذلك الزمان النضير. وبعد أن أكملوا الأكل الشفيف والشاي المعطار، داهمتهم صلاة المغرب.. ولأن أحد الشابين كان منشغلاً بمناقشة امتيازاته إذا انضمّ للحزب غير مبالٍ بالتقلُّبات خاصة وأنه يضحّي بشهادته ووظيفته من أجل السياسة (المقطوعة الطاري)، ولانشغاله، فلم يدرك إلا ركعة واحدة من الصلاة.. ورغم ما فاته منها فقد سلّم مع الجماعة وأنهى صلاته.. وحينها همس له أحد أبناء الأنصار بفقه صلاة المسبوق فأكملها مُجبراً وهو يتمتم ولكن بصوت مسموع: (أنا والله متأسف جداً لأنني ما كُنت أدرك أن الاتيكيت هكذا).. ابتسم أبناء الأنصار وتهامسوا بالعبارة إياها (قولوا واحد!!).. أما الثاني فحينما ابتدأ اجتماع التفاكر والمناقشة وطرح الواقع السياسي، تعالت الأصوات بالخلاف، وشنّ أحد أبناء الأنصار هجوماً كاسحاً على رأي الشاب الأبيض الثاني، وكاد أن يصفعه.. فردّ الأخير بعنف على الشاب الأنصاري: (لقد ارتضينا هجومك الجارح فكيف جاز لك التلويح بالتهديد؟ إنت قايل الدنيا مهدية!) فضجّ الجميع بالضحك.. وقالوها هذه المرة بلا مواربة: (قول اتنين..!!)..
وفعلاً خرج الإثنان بفعل حفلة الشاي هذه ولم يعودا غير مأسوف عليهما.
< أما الثانية فقد حكاها لي صديقنا أحمد العربي الساخر التلقائي البسيط.. حكى لي قصة شقيقه المهندس الإقليمي (المتطنقع) وقد زادت حدّتها (هذه الطنقعة) بعد زواجه من ابنة دبلوماسيّ سابق من قلب أحياء الخرطوم الراقية. وقد شاء قدر ابن أختهم الإقليمي السليقي أن يسكن مع خاله المهندس وهو يقضي عام الامتياز بأحد مستشفيات الخرطوم.
وقد طمع الخال المهندس لتكبير كومه أن يزوّج حفيدة السفير من ابنته الكبرى لابن أخته الدكتور، وظلّ زماناً يجتهد في ذلك حتى أقنعوا الأمورة بالفكرة وهي ابنة أرقى الجامعات الغربية.. وقد وافق الطبيب الشاب العفوي تحت وطأة وإصرار وإلحاح خاله المهندس.. (ولكن ربّك رب الخير) فقد هيأ حفلة شاي أخرى مثل حفلة شاي الأنصار التي ابتدرنا بها العمود. وقد بدأت الأمسية أنيقة وثريّة بالرجال المتأنقين والنساء الأنيقات. هم وهن يرفلون في ثياب اللازوردى وأطياف العطور من أنفاس الطبيعة التي اعتُصِرت بفنٍّ باريسيّ خالص في قناني صغيرة تمّ دسُّها في حقائب السيّدات في حنان، فكانت كلما انطفأ وهج شذاها فتحن الحقائب في حذر وأطلقن سراح الأزاهير المعتقلة في ندى الصنعة فيُترِعن الجوَّ والعُشب والمساء من جديد.
< ابتدأ الهمس وإشارات التلميح وجعلوا العروسة المرتقبة غير بعيدة من الفارس القادم.. ولأنه كان مشغولاً بربطة العنق ولونها – تلك التي أحكمها خاله على عنقه باهتمام بالغ وأجرى عليها ألف بروفة وبروفة، وفي غمرة ذلك نسي الطبيب الفتى وجبة الإفطار والغداء معاً فلم يصدّق حين وضعوا أمامه كوب الشاي باللبن الضئيل مثل عادة الإنجليز.. شاي باللبن وليس لبناً بالشاي كما يفعل ناس الضهاري من أهل العوض ود الزين (ود جغم اللِّبا) ود تاي الله العرضي. نعم لم يصدّق الطبيب الشاب (المكوفِر) (والبايت القوا) أن الشاي أمامه وبجواره حزمة من الكيك الإسفنجي الخمري المحيّا واللدن والقوام.. وفي هذه اللحظة بالذات نسي كل شيء من الذوق المصطنع والاتيكيت المزيّف، وبدأ يُمسك بالكيكة واحدة بعد الأخرى ويُغرقها في الشاي ويبدأ في ملاحقتها بلسانه وشفتيه ويده اليسرى والجميع يبحلق وهو في وادٍ آخر وللضرورة أحكام..
وبعد أن أجهز على الأخضر واليابس انتبه فوجد كل الأعين الهميلة تحدّق فيه باستغراب، وفي هذه اللحظة بالتحديد اتخذت الأميرة قرارها (يا ماما الود المتخلف دا أنا ما عايز هو!!)..
وانتهى المشهد تماماً. ونحن اعتماداً على ذكاء القارئ نترك له تخيُّل عمليات الانسحاب بعد معركة حفل الشاي الخاسرة..
< إلا أننا لن ندع تعليق صديقنا أحمد العربي، خال العريس المفترض، والذي كان أصلاً معترِضاً بشدّة على هذا التحالف الشرعي غير المتوافق.
ساد صمت مريب في منزل الباشمهندس ريثما تبدأ المعركة. وبدأت المرافعة الزاجرة:
(هسع بالله يا دكتور يا متخلف.. دا وكت تاكل فيهو الكيك؟ إن شاء الله تأكل (الحِمِت رِمِت).
< (طيب يا أخي ما دام الله عمى بصيرتك ونفسك الدنيّة دي، ما تنتظر العشاء!.. تقوم (تغطّس) الكيك في الشاي؟! إنت قايل روحك في قهوة أم الحسن ولاّ لقيمات السُّرة بِت المَهَل، ولاّ قايل دا شاي الشُّب في قهوة الخياري؟!.
< يا أخي (شرطت عينّا. الله يشرط عينك).. إنت لكن شبه السعادة يا شبه الجرادة؟!!!
وظلّ الطبيب الشاب متمترساً في صمت مُفصح وابتسامة ساخرة تحت خفاء عجيب، وهو يُواجه مدفعية الباشمهندس المتدرِّع بكل أخلاقيات البرجوازية الصغيرة، كما كان يقول علي المك ضاحكاً.. وبعد أن نفّث الباشمهندس كل ما في صدره، ردّ الطبيب قائلاً في يُسر وعفوية وأدب: (يا باشمهندس الحمد لله الرّبّنا صرفها منّنا وصرفنا منّها.. وبعدين يا باشمهندس الحريم الما بِعجبِن غرقان اللقيمات في اللبن المقنّن ومسحة الخشم بالسّمن البلدي، طايرات..
هسع يا باشمهندس، خلّي الشاي الحلال ده.. هسع بِت أم لعاب زولتك دي، كان شافت كيس تمباكي المكرّب دا، نودّي وشّنا وين!! ها زول، دا علي القسم لُطف من رب العباد.. وألف نطّة ولا واحد بعبوص والحمد لله الجات منّهم!!!
< ورغم هذا الفصل الهادي من الأداء الإنساني، فقد انسحب الباشمهندس وهو يسبُّ ويلعن اليوم الذي لم تقرّر فيه جامعة الخرطوم فن الذوق والاتيكيت مع الجراحة وأمراض المناطق الحارة..
وطيلة ساعات النقاش وبرنامج المساء والسهرة اللاذع، ظل أحمد العربي صديقنا يضحك حتى الصباح وهو يصوّر، في عبقرية، انهيار وتصدُّع تحالف المركز مع الهامش بدون برنامج مكتوب ومتفق عليه.
< واستثمرنا نحن الحكايات هاتفين بأن أي مشروع يُطبخ على عجل دون أن يُوثّق له ببرنامج، أو تُصاغ بين كوادره علائق ووشائج من صِلات ورؤية ومزاج وخارطة طريق موحدة، لن يُكتب له النجاح مهما بُذل فيه من مال ورجال.

قد يعجبك ايضا