برقيات للعشاق والكتاب والمسافرين

كتب العقاد يوماً للراحل الشاعر الأمير الوزير عبد الله الفيصل، بعد «ثورة الشك» التي شدت بها ثومة فملأت الدنيا يقيناً.
عزيزي الأمير:
إن الحاكم الذي لم يكتب يوماً لصنو روحه
أبعداً نرجي أم نرجي تلاقيا.
كلا البعد والقربى يهيج ما بيا
اذاً أنا أحمدت اللقاء فإنني
سأحمد حيناً للفراق أياديا
فيا من لنا في كل يوم بفرقة
تجدد ليلات الوداع كما هيا
ليال يسبح الدل فيها ذمامه
ويرخص فيها الشوق ما كان غاليا
حاكم لا يكتب بكل هذا الشوق والعطف والزلفى لحبيبه لا خير فيه ولا رجاء لشعبه.
مضى العقاد ومضى الأمير ومضت ثومة، وبقي الشعب يتلظى لا يجد حظه لا في الشعر ولا في الرجاء والعدل ولا في المطولات التي كانت تلف ليالي سينما قصر النيل، بل النيل كله موجة موجة.
* ليت لنا سياسي مقتدر ومثقف وعملي ومحبوب، لنحتمل استبداده المبرر وغير المبرر تحت شعار ابن ابي ربيعة الشفيف انما العاجز من لا يستبد.
الساسة في السودان متواضعون في المواهب القولية والفعلية والتقريرية، ولذا فإن الاستبداد فيهم قبيح مثل الافتراء على أعطاف (الشينة).!!
ولذا فقد اقتنصها شعراء الأغنية حين انشدوا:
ويا لون الصبا الوردي
حكمت علي الهنا بعدي
وقلت رياحي ما تهدي
وقلت شراعي ما بودي
حتندم بكرة من بعدي
بدوني الغيمة ما بتدي
وغير النسمة ما بتمر
غلبت الصدف ع الدر
وبدلت العسل بالمر
وضحيت بي عيون أم در
وبالنيل الصباحو بسر
أيها الأدروب النبيل ضحوا بكل هذا ليس لانهم يريدون ذلك ولكن للأسف لأنهم لم يكتشفوا ذلك.
* بالرغم من أن البيت الكبير كانت تتصدره أبيات جدتهم الشاعرة الحكيمة الكريمة:
أبوك شن ورثك غير مصحفو ومصلاتو
والفوت والنبأ الحارسو من ابواتو
والفرس الأصيل الجدو نسل أماتو
والخلوات تشوف فيها الضيوف الباتو
ورغم هذه الحكمة الدامغة على العقول والأفئدة، فقد تناسوا المسيد والخلوات وديوان الضيوف فاغلقوها بالاهمال لا بالعسر.
قبل أيام زار اثرى الابناء جد فقير وزاهد مع اعتصام وزهد فتح له كل الصوالين والردهات، واراه كل الطنافس والاثاث والدهاليز والمنعطفات، ووجد الشيخ عسرا في الخروج، فحدجه بنظرة عاتبة ومغاضبة.
«قصرك يا ولدي سمح إلا سوى ليك سبيل تمرقبو الجنازة، واحدثت الكلمة القارصة مفعولها، وبدأت الخلوة الاسبوع الفائت في التحفيظ وسمع الناس للقرآن ازيزا كأزيز النحل والبقية تأتي.
* هل توقفنا كثيراً في كلام الذي يبكيك.. وحتى تأتي من مشروع والقراء ينتجون بالحلال.. وحين يأتي الفقراء وأنت بعيد في التراب.
* ما زال اصدق اسم لديوان شعر سوداني (أعراس ومآتم).
* طبعوا عشرات الطبعات الصحيحة والمعطوبة لاشراقة التجاني، ولم يقرأه أحد بطريقة صحيحة، ولم يستمتع به أحد على طريقة صحيحة.. أحلم بأن يقرأ لي مجود اشراقة فيه لغة التجاني وشاعريته ووجده وروحه الصوفية المعذبة.. من لي بهذا الرجل.. ومن لي بهذه الساعة التي تختصر أزمنة الاثير وأمكنة عبقر.
* أنا ضنين بالأفكار الإعلامية على غيري، مثلما انا كريم بها، فقد أمسكت بعد (ألوان) وقلت لا عطر بعد عروس. وأمسكت بعد (أيام لها إيقاع، وقلت لا مساء بلا إيقاع، وهو من باب التعزي والسلوى، لا من باب الفخر والعجب حمانا الله منه، وأذلنا به في سبيله.
ورغم هذا وذاك فإني اقترح حلقة تلفزيوينة عن (الخال) بهذه القربى والخال شقيق الأم.. اين هو من النفس ومن الأدب ومن الدين والحياة، فمن منا لم تستوقفه كلمة المصطفى صلى الله عليه وسلم في حق سيدنا سعد بن أبي وقاص والدنيا كلها تستمع .. (من له خال كخالي).
ومن دافئات الغناء السوداني في مثل هذا الشأن وشكواه:
قلبي من الوساوس خالي
دوام آيات محاسنك تالي
زيد في هجري لا ترتالي
طرفك بالهلاك افتالي
مقسم عن هواك ما تالي
* يا أهل السلطان والصولجان.. هذا زمان التغيير والتأثير وهذا زمان الصحافي المسكين صاحب الفكرة والقلم والمساحة اليومية التي تهد بقطراتها جبال الاستبداد والصوت الواحد.
الكثيرون يحتاجون لكورسات مكثفة في الاحتمال واحترام الاخر، وليس هنالك طريق للرجعى عن (الحريات العامة).. للانقاذ طريق سالك واحد، وهو أن تبدل طاقم الزمن العسير بالزمن اليسير.. ولكنها لن تفعل.. وعبر هذا تتبرع مجاناً باصطناع الابطال أهل الحق وأهل التزييف.. وماكينة الطباعة الجيدة الألوان والورق والعمالة، لا تعرف العملة الضاربة من العملة (المضروبة).
* عندما استيقن أستاذ الجيل الراحل العملاق حسن نجيلة.. وكان يومها صبياً، أن البادية مترحلة، بنى مدرسته على ظهر ناقة نجيبة.. وحينما حط الكبابيش الرحال دق السبورة في اقرب شجرة وابتدأ الدرس.
* وعلى يديه تخرج ابكار المثقفين من أبناء هذه القبيلة الصابرة والمصابرة.
* في لحظة تدريب عميقة على وجه صحافة الرمز، ادخلونا مكتبة ثرية ومتنوعة، وطلبوا منا اختيار نص يعبر عن الوضع السياسي السوداني والعربي والإسلامي والشخص، وكنا آنذاك في زمان الطلب الجامعي الأخضر كنا يومها نصادق السياب والماغوط، الذي انقذني بنصه القلق: (حتى الأغصان ترتجف)، ولذلك قلت بعد سنوات طويلة لصحافي شاب انصحك بأن تربي اجندة سنوية ترى بها الأحداث قبل وقوعها، وألا تمزق القصاصات القديمة.
كالغربان المولية الأدبار
سأصرخ يا حبيبتي
اذا لم تعطني سراجك في الليل
وذراعك في الشيخوخة
وسريرك في الزمهرير
ولقمتك في المجاعات
سأحشو مسدسي بالدمع
وأملأ وطني بالصراخ
إذا لم تعطني جناحاً وعاصفة
لأمضي
حتى الأغصان العالية ترتجف
عندما أنظر اليها وأبكي
آهـ لو أن الأيام المتوالية
تنال من روحي وأصابعي وعيني
ما تناله السكين من الثمرة
والخريف من الأغصان
لأمسي طفلاً صغيراً بطول المدفأة
لاحرق العالم
واصنع من رماده
كفناً لدراجة صغيرة اعزفها
مزماراً حزيناً لوطن قديم اعيده
لاحرق العالم
واصنع من رماده
كفناً لدراجة صغيرة أعزفها
مزماراً حزيناً لوطن قديم اعيده
ثلاثين عاماً
لم أهز دمية
لم ينهرني جد
لم اتشبث بملاءة
لم أبك في زقاق
ثلاثين عاماً
لم أر علم بلادي مبللاً بالمطر
وأنا أنفخ راحتي في الزمهرير
وأغني.. موطني.. موطني..
* عزيزي الصحافي الذي لا تعرف الموانئ العجاف قدره هاشم بابكر، هذا النص عزيزي للحفظ وليس للاحتفاظ..!!
* وأخيراً جداً شكراً عزيزي القارئ لأنك أذكى من صحافتك، أنت تفهم ونحن نحاول!!

قد يعجبك ايضا