تلك المرجعيـــــــــات فأين المراجــــــــع ؟

{ المرجعية العربية السلطوية في مجال الافكار والسياسة والاقتصاد والدفاع والامن والشأن الخارجي تجد عسرا شديدا في كسب ود الجماهير او اقناعها بعد ان تعرضت هذه المرجعية لفقر دم رهيب في الصدقية والجدية والاعمال والافكار المرتبطة بالاستراتيجيات .
فلم يعد المواطن العربي ما بين الخليج والمحيط يصدق حديث وزراء المالية حول الميزانية والسياسات ونسب النمو وانخفاض التضخم . فالاغلبية من الناس لا تقرأ مثل هذه الاخبار في الصحف ولا تستمع لها من التلفاز الاذاعة بل انها تعتبر ان برامجها وصفحاتها في الصحف هي مجرد مساحات فقيرة ومضجرة لاستقطاب الاعلان ولاسترضاء بعض التكنوقراط بل ان بعض الصحفيين يتجهون لمثل هذه المساحات غير المقروءة لانهم باختصار لم ينجحوا في الصحافة الرياضية او الفنية الا من رحم ربي .. والانسان العربي ايضا يعتبر ان الفتاوي التي تخرج من تحت ألسنة وزراء الاوقاف العرب ومن امام المسجد الذي يصلي فيه الرسميون ولجنة فتوي الدولة هي مجرد حصص في الدين المتفق عليه صنعت خصيصا لتدغدغ مسامع الجماهير ولا تزلزل الارض تحت ارجل السلاطين الذين لهم العذر وهم يصادقون المستعمر وهم يشاركونه وهم يقاسمونه وهم يسمحون لاحذيته ان تمشي فوق مناكبهم ونكباتنا .
وليس هذا الاكتشاف القارص هو من حق الطبقة الوسطي او البرجوازية او ظرفاء التكنوقراط .. بل انه اكتشاف معرفي يعلمه كل الدهماء والعامة والمسحوقين ..
ليتكم رأيتموهم كيف يحسبون تكاليف الطوابق والحديقة والسيارات لمسئول لا يتجاوز راتبه الشهري الخمسين الف دينار .
ليتكم شاهدتم كيف يؤرخون لآخر وظيفة له في الخدمة العامة قبل ان ينتمي للحزب والتشكيل الوزاري وليتكم رأيتم كيف يحسبون قيمة الورثة لوالده الذي ترك 022 متر في الدرجة الثالثة من الجالوص وحتي هذه يقتسمها معه 9 اخوة واخوات وزوجة اب صارت في السنوات الاخيرة ارملة وليتكم شاهدتم تضريبات دخل حاجة دار السرور والدته ست الطعمية ووالده سالم الدقاق وليتكم كيف يسخرون في صخب من اين لك هذا ؟
الانسان العربي اصبح يعي وبصراحة ان اكبر الدعاة للوحدة العربية في الحقيقة هم اكبر اعداء الوحدة العربية بل هم الانصار الاوفياء للتشرذم والقطرية والانكفاء والشعوبية كما انه اصبح يعي ان اكبر الدعاة للثوابت والالتزامات وماضي هذه الامة التليد هم في الحقيقة اكبر اعداء الاسلام بالقول المسطح الفطير وبالقول الكذوب وبالقدوة الطالحة .. وبالتسفح المشاهد دون عليائه وسموقه وفي هذا للجماهير طرف وملح ونوادر تكاد تمتلئ بها اضابير المكتبات ودور الوثائق .
الجماهير العربية اصبحت لا تصدق الناطقين الرسميين باسم الجيوش من لدن احمد سعيد حتي الصحاف . واصبحت لا تصدق الجنرالات الهواء من لدن عبد الحكيم عامر حتي ماهر التكريتي .. باختصار فان الجماهير العربية تعتبر ان هذه الانظمة شئ من اختراع انفسها وليس لها اية صلة بالارض او بالناس ولذلك فانها تقول ولا يصدقها الناس وتفعل ولا يهتم لها الناس وتتألم ولا يألم لها الناس وتفرح ولا تفتر ثغور الجماهير ولو لمرة واحدة لنكاتها البايخة المكرورة .
كل الذي نفعله انها تقرأ التأريخ وتنتظر في دهاليزه ليطل عمر او محمد الفاتح او صلاح الدين ولعل من المآسي المشهودة ان افعال السلطة العربية ومرجعيتها المصنوعة قد جعلت الجماهير المعاصرة لا علاقة لها ابدا بالعصر او بالحاضر والشاهد يري دليلا علي ذلك ان اكثر الكتب مبيعا الآن بالمعارض كتاب البداية والنهاية لابن كثير وتأريخ الطبري والعواصم من القواصم وديوان النقائض ومقاتل الطالبيين ونزهة المجالس ومدائح ابن الفارض .
.. ولان الجماهير العربية قد يئست تماما من التحكيم الشرعي والمشروع الذي يصنع نفسه حكما ما بينها وما بين الحكومات فقد اصبح يعتقد وله الف عذر ان كل هذه المرجعيات السياسية والاقتصادية والعدلية معطوبة او مصادرة او مشتراة . وبرغم تشدقها بجملة من الحقائق الكلية والشعارات المطلقة الا ان ايمانها بهذه الحقائق والكليات والشعارات محاصر بنسبية دنيا في الاعتقاد والتنفيذ وان اية محاولة للضغط عليها من اجل اختبار صدقيتها يضعها في المحك امام امتيازاتها فانها تتنازل عن كل هذا الهراء المثالي في طرفة عين دون ان تصل لنقطة انتباهتها البعيدة .. وقد حكي لي احد الظرفاء السودانيين حكاية تشبه هذه فقد قالوا ان قرية سودانية غالب اهلها من الفلاحين نزل عليهم منذ سنوات رجل غريب واسع الثراء بلا اهل ولا زوجة ولا يملك في هذه الفانية من صحبة الا كلب وفي اعطاه قلبه ووقته ..
وكان الغريب علي ثرائه العريض واسع الكرم والعطاء لا يرد محتاجا ولا صاحب حاجة وقد احبه الناس وعندما ملأوا الآفاق بحبه احبوا كلبه ..وكانوا دائما يتساءلون اين هي المناسبة المستحيلة القادمة في حياة الرجل التي يمكنها ان تأتي ليردوا بعض جماله وجمائله فليس للرجل اخوة ولا اهل ولا زوجة ولا اطفال ولا صبيان وهي صلات عقيمة ومقطوعة لا تشي ولا تنبئ بأي فرح او كره يرد الصنيع بصنيع رديف له او ما يفيض ..
وقد جاءت المناسبة من حيث لا يحتسبون فقد مات الكلب الوفي ..فأوحي لهم خبيث القرية ان يغتنموا هذه المناسبة الوحيدة والتي لا ثاني بعدها الا موت صاحب الكلب ..
ذهبوا اليه فرادي وجماعات واقنعوه بأن يقيم مأتما مهيبا للكلب الوفي وللحقيقة فان الرجل وجل من الامر وتهيبه وانكره ولكنه تحت إلحاحهم وافق فأقام اهل القرية السرادقات واقاموا ولائم الاكرام لكل المعزين وفي نهاية المأتم حملوا له من حر مالهم ثلاثة جوالات كانت هي مساعدتهم في العزاء الكبير ..
ومضي القوم وهم يحسون انهم انزلوا من علي كواهلهم امانة عظيمة ودين واجب السداد بهذه الجوالات «النقدي» ..
ولكن سيادة العمدة المرجعية لكل هذا الذي يدور ظل يراقب الحدث بغضب ويدرس ما يدور في غيظ ملأ الآفاق وبعد ان طوي الناس الخيمة والسرادق ومواعين الخدمة استدعي العمدة الغريب وحدثه اولا بالفتوي وعن البدعة التي افترعها وعن الضلال الذي ركبه حتي اقام مأتما وعزاء لكلب ..
واتي ما بعد الفتوي لسبل كسب العيش فهاجمه بقسوة علي قبول ثلاثة جوالات من اموال المساكين واخرج اخيرا عصاه الغليظة وضربه علي كتفه مهددا بالمحاكمة والسجن وابقي العصا طويلا علي الكتف المهيض .. رفع الضحية المطرقة رأسه وقال للعمدة المرجعية في ادب وذكاء انت تعلم يا سيادة احساني للناس وتعلم وحدتي وغربتي وتعلم ايضا اجتهاد العامة في رد الجميل .. وانا اقسم بالله العظيم وكتابه الكريم قد اسررت في نفسي منذ ان وصلت جولات المال الثلاثة ان اقسمها بجوال لضريح الكلب وبجوال لسداد خسارة المأتم وجوال يحمل لسيادة العمدة .. وما ان اكمل الجملة الاخيرة حتي اسقط سيادة العمدة العصا وقال بصوت راعد وخاشع في آن واحد
ما دمت قد قلت هذا .. الفاتحة ورفع الرجلان فاتحة الكتاب وقرأ كل واحد في سره الاخلاص احدي عشرة مرة وسألوا الرحمة للفقيد وانفض لقاء الدول المجاورة للعراق واعدين ومتوعدين بانهم لن يسمحوا لقوات المارينز ان يطأوا اراضيهم قواعد ومنصات الا اذا بعثت المشيئة عمر بن عبد العزيز وقرر استعادة فلسطين ضاربا بكل قرارات الشرعية الدولية عرض الحائط !!!

قد يعجبك ايضا