سطورٌ علـى شـيءٍ مـن السفور

إن أجمل مكاتب السودان هى ذات الطابق الأرضي مع حديقة مفتوحة وخضرة وزجاج سميك سعياً وراء الشفافية ولو شكلياً.. ومراوح فقط لا مكيفات، لأن كل مكتب أو إدارة بمثل هذه المواصفات لا تكلفنا مالاً أو زمناً إلا قليل القليل.. مع عمليّة وبساطة وذوق وقلّة من الأخيار المدرّبين.
ولكن سادتنا من الوجهاء والسياديين الذين تجمعت في أيديهم فجأة حزمة القرارات الإدارية والمالية والتنفيذية مع جرأة التخطيط والرسم الفني والإدعاء العريض، فقط صار من أوجب واجباتهم بناء العمارات والفيلل لوزرائهم ومقارهم، فكأنما أزمة أزمات السودانيين هذه القناطير المقنطرة من الضانقيل والأسمنت والسيخ والألواح الحديدية والبلاط والسيراميك والفسيفساء والبوماستيك.. وكما تعلمون سحر البناء الجديد ألف حلقة تشدّ ألف حلقة بحلقات لا تنقضي والكوارث لا تنتهي وصيانات إلى أبد الآبدين.. أما مشكلات الصرف الصحي والصرف على الصحة في بلادنا، فهذه إشكالات لا سبيل لإدراك نهايتها، ولو تواضعنا لقلنا ليس هنالك حتى سبيل لإدراك بدايتها..
والمباني في بلادنا دائماً ما تسبق المعاني، بل أنها في كثير من الأحيان ما تسبق حتى الأماني.. وحين تنقطع كل إمكانات الوزارة والمؤسسة (وينقطع نفَس خيل العوائد) في هذه المشروعات المعمارية الهراء، تنضب من بعد كل الموارد والميزانيات الواردة في حق رعايتها ونظافتها وتعطيرها وتسويرها.. لا تثويرها.
الذين يدرسون الفلسفة بعمق لهم دولة لن تقوم أبداً، ولذلك فقد تنازلوا لدول محميّة بالعقل وحبّ الإنسان لأخيه الإنسان.. وعندما لم يجدوا هذه تنازلوا لدولة تحفظ حظّهم الشحيح في قفة الملاح والرعاية الطبية والتعليمية وبعض الحريات..
وعندما لم يجدوا كل هذا طالبوا بعودة الدولة الحلم فصارت السياسة عندهم أغنية وذكرى وإنتظار مستحيل.. وفي قلب الحلم والانتظار إرتضوا بالحدّ الأدنى؛ خُبز حاف واستبداد يقتل بالقطاعي ودعوة تنادي ليس بردِّ القضاء ولكن فقط باللُّطف فيه.
٭ وجدوا كل الأبواب مغلقة فسرقوا من الحديقة زهرة وداسوها على قارعة الطريق وهم يهرولون من هجمة (السواري).. عقدت الأشجار بعدها إجتماعاً قانونياً حكمت عليهم بالقتل العمد وجمّدت التنفيذ لحين أن تنضج المعرفة الإنسانية بتكامل نسيج الخلائق.
٭ كل الأحاجي وكل الأسفاروكل الكتب وكل الحِيَل وكل المقالب وكل الطرائف والمُلَح والخبرات التي كنا نأمل بتوريثها لصغارنا، اغتالها الكمبيوتر والإنترنت والمسلسلات والنوم، والخوف القابع في الدواخل من الخطر المتربِّص في الأفق!!
إلى طلائع الجمعيات الأدبية والثقافية ببلادنا.. ليست الثقافة في التجريد والمنابر، إنها مصادقة الأشياء والأفكار والأرض الجميلة. إن الثقافة هي المجتمع المدني الذي يجعل الإنسان هو سيّد الزمان المتاح، وإن المثقف الذي يجلس تحت أقدام الآخرين ويعلّمهم الإلهام ويثابر في خدمتهم ليل نهار ليحوِّل النظر إلى خبز، ذلك هو المثقف.
إلى الناشطات في مجال حقوق المرأة، لا يبدو أن الأشياء مفصولة ومشرذمة بالطريقة التي يدار بها النقاش في عصرنا هذا، ولذلك أتوقف طويلاً عند العبارة الرائعة (أن الزوجة المثالية هي أية امرأة لها شريك مثالي).
أغلب السياسيين يحبّون تقبُّل الأموال والأطيان والأرصدة والمكافآت والإمتيازات، ويطالبون الجماهير وحدها أن تتقبّل النصائح.
{ لكل حزب دهاليز وأغوار وأبواب لا يقرعها إلا القِلَّة، فإذا دخلوا هم لوحدهم، وجدواحقيقة ما يؤمنون به حقيقة وما يقولونه لأنفسهم، أما الذي يظهر في الصحف والإذاعات وبرامج الحوار فهو مجرد هُراء.
أجمل تعريف للإعلام المفيد الذي يضع المعلومة من وراء وخاطر المستمع ولا يكسر قلبه وعقله بالوعظ الغليظ هو تعريف أقرب إلى الصدقة في السر، أليس جميلاً أن تقول أنني لا أعرف فرحاً أعظم من أن أمنح جميلاً خِفْيةً.. ثم يذيع السرُّ محضَ مصادفة!!
تسابقنا ونحن في مراحل الثانويات نحو الرواية، ولكنني اكتشفت في آخر الأمر أن الشعر يقول كل ما تقوله الرواية في أسطر قليلات مُبهرات.
الناس في الخرطوم يبحثون عن الشوارع والعربات تبحث عن مساحة للوقوف أو الإستراحة.. والزمان يمضي كالرماد في بلاد لا تبيعه لأنها تنتجه بالمجان.

قد يعجبك ايضا