ترجمة سودانية للحكاية السويدية..!

< ظل كل كرام الحارة والأعيان والمشائخ ولأيام متطاولة يدخلون ويخرجون من وإلى بيت حاج بابكر الذي قرر إبنه عماد فجأة أن يطلق زوجته محاسن ويرسلها وأطفالها لقريتهم البعيدة بعد أن استحالت المعاملة بينها وبين أمه وشقيقته العانس اللئيمة. وتوقفت صورة المشهد في هذا الإطار.
< ففي كل صباح ومساء تتواصل المرافعات والمرافعات المضادة وتتعالي الأصوات وقد أصبح صالون حاج بابكر وأولاده فجأة هيئة للأمم الصالون فجأة هيئة للأمم.
< وفي غمرة الأحداث والمباحثات المتلاحقة لنزع فتيل الأزمة فقد اضطر أهل الدار أن يفتحوا ميزانية «ضيافة» للكارثة بدأت بشاي «اللبن الصاموتي» وانتهت (باللقيمات) مع بعض الطلبات المعتبرة خاصة وأن مولانا عبد الغفار الزعيم إمام المسجد والأزهري العتيق ومفتي الحارة وحكيمها غير المتوج له ولع شهير باليانسون والحلبة والقرفة بعسل الحبشة الأصلي..
< ولأن الكثيرين كان لهم رغبة في التأجيل فإن هنالك الكثيرين لهم أيضاً رغبة في التعجيل لحاجة في قلب يعقوب وقد شاعت حينها حزمة من الأقوال المتداولة من شاكلة «يا ولدي الزول بلقي ألف زوجة لكن تظل الأم في هذه الفانية واحدة» وآخر يحاول أن يخفف عليه غلواء الطلاق مع بعثرة الأولاد واباحة تشردهم.. (يا ولدي الأولاد أخوالهم سيتكفلون بهم وأنت ما بتقصر معاهم) يازول اتوكل وطلقها والله ألف من تتمناك.. يقولها مع ابتسامة خبيثة وعينه على ابنته التي ليس لها جمال يعينها على «المخارجة» ولا علم يعنيها على «التخرج».
< قال الشاهد وقد ظلت الحارة لأكثر من ستة أشهر في حالة «اللا سلم واللاحرب» أو بالأحرى في حالة اللا زواج واللا طلاق.
< وما بين حائط برلين الفاصل ما بين الأم والابنة من جهة وزوجة الابن ألمانيا الشرقية تواصلت طلقات الكلام الجارح والشتائم والتعديات اللفظية التي لم يقصيها عن العبور أناء الليل ولا أطراف النهار مانع.
خاصة وأن النساء يمتلكن زخيرة وافرة من الكلمات الجارحة والأمثال والمعلومات التي لا تخرج إلا عند الطلب ولا تتدافع إلا عند احتدام المعارك «واليوم الأسود».ولأن لكل حدث في حارتنا ايجابيات وسلبيات مشهودة فإني أشهد إن العامة وأهل الغفلة والسفهاء من مرتادي المقاهي وحتى المتربصين بالسابلة عند «أعمدة الكهرباء» صارت لهم ثقافة معتبرة في فقه الطلاق والنكاح والعدة والنشوز والتحكيم حتى بلال «العوقة» والعوض «التُّجم» أصبحا لهما آراء جهيرة في فقه الحنابلة والمالكية وبعض آراء ابن حزم الظاهري وحتى فائز ود فزع استاذ الجغرافيا اقتطع من راتبه جعلاً ليشتري بالأقساط المريحة (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) في فقه ابن رشد لينال به (طق الحنك) المبرر وجلسة اللقيمات في صالون حاج بابكر وابنه عماد المسكين الذي أصبح منزلة بين المنزلتين لا هو طلّق بلؤم ليرتاح ولا هو أمسك بإحسان ليريح.. وكما للأرض غدرها والسماء أيضاً قدرها.
< ففي قلب الأزمة شوهدت سيارة ليموزين تقف أمام منزل حاج بابكر حيث تهامست نساء القرية بأن وصل ابنه الطبيب الاختصاصي بإحدى المستشفيات الانجليزية قد وصل وهو الشقيق الأكبر لعماد «الضحية» والرجل مشهود له بالنبوغ والجدية والاستقامة والعقلانية.. دخل في رفق منزلهم الذي تركه هادئاً حين هاجر وجاء الآن فوجده قد تمزق إرباً إرباً بالخلاف حتى استعصى على الراتق وبلا مقدمات استمع الطبيب الذكي لكل الأطراف ولكل الحجج وفحص كل الأنفس التي اعتلاها الغضب والشحن والغرض والمرض أياماً استمع لوالدته ولشقيقته ولعماد ولزوجة عماد والأخيار الأهل وفي نهاية الفحص والاستقصاء كتب الطبيب الشفيف الروشتة التالية:
1- الأخ عماد أعلم إن من نعم الدنيا علينا وترفقها بنا أن تحب زوجاتنا أمهاتنا كما تحبهن نحن أبناءهن ولكن ان كان هذا الحب جاء بالحد الأدني فليس هذا مبرر لكي نبغضهن وكما يقول السادة المتصوفة أنهن من الأغيار ولا يشترط في الاغيار المطابقة.
< إلى الوالدة العزيزة، إن كان كل الإدعاء في التنافر في شأن (المطبخ الواحد) فقد قررنا ان نقيم لزوجة عماد مطبخاً آخر فإنت امرأة تزعمين منذ قديم الزمان أن لا إمرأة في هذه الدنيا تجيد صنع الثريد و(المرق )والتقلية والكنافة مثلك قال الشاهد طويت الصفحة ونحن على ذلك من الشاهدين.
< شاهدت الحارة قبل أيام «لوري» كامل الدسم وقد امتلأ طوباً وسيخاً واسمنت وفي أقل من إسبوع نهض مطبخ محاسن وقد ازدهي بثلاجة 14 قدم وبوتجاز لنج ومطبخ ألوانه الصارخات مثل «سمك الزينة» في صوالين الأقباط.
< وشوهدت الأسرة كلها ذات ليلة تضحك «بلا عجب» ولم يقل أحد أنها (قلة أدب)!!
كما شوهدت محاسن مع (نسيبتها) الاسبوع الفائت يتجولن في السوق الشعبي لشراء مشاية» للطفل الصغير وشيالات الحلاوة للعيد السعيد والابتسامات المتبادلة تسد الأفق وتوقفت جلسات الفتوى واليانسون والزلابيا والفقه الباطني والظاهري وعادت المياه إلى مجاريها دون أن نحتاج لأي شركة (سويدية) لتصريف مياه اخفاقاتنا الراكدة المزمنة.

قد يعجبك ايضا