برقيات صغيرة للعائدين لأعمالهم ..

«1»
< من الحكايات الحصيفة الحزينة.. التي تحدث في هذا الزمان البخيل.. الذي لن يطفئ غلواء نيرانه إلا الإنتاج والتدريب والصدقات أصر أستاذنا الدكتور عبد الرحمن يوسف حسن الأديب الحبيب لقلوب تلاميذه وأهله، أصر على أن نحفظها ونحن بالمدارس الوسطى.. ومازالت تجمل كراساتنا القديمة..
إن امرأة شلاء «مشلولة» دخلت على عائشة «رضي الله عنها» فقالت كان أبي يحب الصدقة وأمي تبغضها ولم تتصدق في عمرها إلا بقطعة شحم وخلقة «هدمة» .. فرأيت في المنام كأن القيامة قد قامت وكانت أمي قد غطت عورتها بالخرقة.. وفي يدها الشحمة تلحسها من العطش. .فذهبت إلى أبي وهو على حوض يسقي الناس.. فطلبت منه قدحاً من ماء فسقيت أمي.. فنوديت من فوقي ألا من سقاها فشل الله يدها.. فانتبهت كما ترين..
كان زميلنا عمر كرار يقول القصة فيها مغزي ودلالات عظيمة.. ولكن ألم تنتبهوا إلى هذه الأسرة كيف أصابها الشتات يوم القيامة وكانت في الدنيا أسرة واحدة؟ ألم تنتبهوا؟
«2»
< ومن الحكايات التي يتداولها التصوف في الرفق ومعاملة الخلق علي قدر سعتهم وعقولهم ما وراه جابر بن عبد الله رضي الله عنه.. قال كان رجل يتعبد في صومعة فأمطرت السماء وأعشبت الأرض فرأى حماره يرعى في ذلك العشب فقال: يا رب لو كان لك حمار لرعيته مع حماري هذا.. فبلغ ذلك بعض الأنبياء عليهم السلام فهم أن يدعو عليه فأوحى الله إليه …لا تدْعُ عليه فإني أجازي العباد على قدر عقولهم، وكانت مجموعتنا تضحك تضحك حين يعلق ظريفها على الحكاية قائلاً «حظ فلان!!»
«3»
< الزراعيون في بلادنا يعملون أساتذة جغرافيا، وأهل الجغرافيا لا يزورن بلادهم.. من هو هذا العبقري الذي لم يقل أننا مليون ميل معذب.
«4»
< الشمس في شتاء السودان لا تغلب والدعاش في خريفه لا يحفظ.
والحر في صيفه لا يكافح، مثل الاستبداد واصرار الحكومات على أن الخطأ من صنع الجماهير.. الناس في حاجة لحزب مثل المساء والقمر وماء النيل والنفير والمسادير.. والحضور للناس والاشياء والعدالة.. الحضور الذي يجعل اللصوص والمتمردين يلقون أسلحتهم ويهربون.
سادتي أن قادة التمرد في كل مكان مثل الجريمة والجريمة لا تفيد .. ولكن كيف لنا أن نصنع معارضة نظيفة في ظل مفاهيم تعتبر أن التظاهرات خطيئة وأن الهتاف عورة.. وأن أي تجمع لا يلعلع فيه الرصاص ولا تُدار فيه كؤوس الغاز المسيل للدموع.. رومانتيك ولعب عيال.
«5»
< اتى البوليس برجل وامرأة الى المحكمة الشعبية، وقال لرئيسها شيخ العرب: لقد وجدتهما داخل منزل في وضع مخل بالآداب والاخلاق..
سأله شيخ العرب: وهل كان هنالك نزاع بينهما أو خلاف.. قال: لا يا مولانا.
فرد عليه شيخ العرب: دعهما يذهبان فنحن هنا لفض الاشتباك ما بين المتنازعين والمختلفين .. أمثال هؤلاء دعهم لربهم.
ضرب البوليس تعظيم وقال في استغراب «والله برضو منطق»
فرد عليه شيخ العرب ده مش منطق يا جنابو.. دا فقه.
ضحكنا وقال ظريف المجلس ليس مهماً أن تلبس العلمانية «كرافتة»..!!
«6»
< لقد قلت يوماً إن أسعد الناس من يتزوج بابنة معلم.. وأسعد النساء من تتزوج بابن معلم. إنهم كوكبة من الناس تحيل البساطة إلى جمال، والدخل المحدود إلى ثروة.. والأعين إلى أنهر والعقول إلى مشاريع.
«7»
> إني اقترح على المدارس الخاصة وأبناء الذوات ومدارس الأقليات، تدريس الأدب الشعبي من شاكلة:
ماني الخايب الدايماً بقول سويت
وما نهروني عِن ساعة السؤال قريت
إن بردن قروش ماني البخيل صريت
وإن حرَّن بكار ماهن صفائح زيت
نعم مادة للحفظ.. حتى يعلموا أن هذا السودان الجميل صنعه الفصحاء بلغة أكثر وساحة من الفصحى القديمة، وأكثر طلاوة من الرطانات البالية.
< إني اقترح أن يزرع كل مواطن شجرة، وأن تكنس كل أسرة الأمتار التي أمام دارها.. وأن نبتسم وأن نبدأ التأمل مع آذان الفجر، فهذه هي المقدمة الأولى لدولة الكفاية والعدل
«8»
أحد شبابنا تم تعيينه لصندوق الزكاة وسألنى نصيحة، قلت له: ليس لي لك أكثر من نصيحة: «اتق الله» بإجمالها، أما التفصيل فقد قال به الإمام الثوري: لا تكن في هذا الزمان إماماً ولا مؤذناً ولا عريفاً ولا تأخذ من أحد مالاً لتفرقه على الفقراء..
«9»
< الساسة صحافيون في الأصل ولكنهم وجدوا ان الكتابة والتوثيق امر قاس وغليظ وفادح فآثروا الكلام في السراء والصمت في الضراء واخذ امتيازات ورواتب على تلك المنقصة
.«01»
ومما يخافه الطامعون حرص أهلنا على بلادهم موحدة وحرة ومستقلة وقد صدق محمود ود حسب الله القائل
قاعدين في الوطن حارسين جبال الريسه
ما نبفوت ديارنا بنرجى فيهن عيسى
حال الدنيا مره عديله مره تعيسه
قادر يخضِّر اليابسه ويبل السيسه
«11»
عندما وطأت أقدام الشاعر الراحل محمد عبد القادر كرف أرض أثيوبيا قبل الانفصال ذهب إلى أسمرا وسال عن قبر عميد فن الغناء السوداني الحاج محمد أحمد سرور 1901- 1946 وكتب الأبيات التالية بل نقشها ومازالت موجودة (وهو بالمناسبة معلم وشاعر وباحث وخطاط)
سبّحت أول ما صدحت مغردا
باسم الديار وكنت أبرع من شدا
ولك الروائع من أغانيك التي
مازال يسري في النفوس لها صدى
يا باعث الفن الأصيل تحية
من شاطئ النيلين يغمرها الندى
تغشى ثراك وتستهل غمامة
تهمي وتسقي بالدموع المرقدا
ترى متى يقوم متحف الإبداع السوداني الذي نجد فيه أسطوانات سرور وديوان كرف والآخرين
«21»
ومن الهدايا :
دخل الخليفة هشام بن عبد الملك الكعبة، فوجد سالم بن عبد الله بن عمر فقال «يا سالم هل لك حاجة أقضها لك»؟
فقال سالم «إني استحي من الله أن أسأل غيره في بيته» فلما خرج تبعه هشام وقال له «الآن وقد خرجنا فسلني حاجتك»، فقال سالم: «من حوائج الدنيا أم الآخرة؟» فقال هشام: «بل من حوائج الدنيا» فقال سالم: «ماسألت من يملكها، فكيف أسأل من لا يملكها؟».

قد يعجبك ايضا