شيء عن العواتك والمعتقات..!!

أجمل ما في أصدقاء الطفولة والشارع على الأقل في زماننا أنهم لا يكذبون ولا يتجملون ولا يصانعون، فمهما كانت طبقتك الاجتماعية ووضعك الأسري وثراء والدك وتميز أسرتك، فهذا لا يشفع لك بأن تمرر عليهم قرارا أو عملا أو قولا لا يوافقون عليه.
فأنتم تذكرون اذا قلبتم الذاكرة، ذلك الصبي الذي جاء الى الميدان وهو يرفل في «فانلة» الكرة الجديدة و«البوت» الياباني و«الشرابات المقلمة باللبني» ويسبقه عطره وأثر النعمة على وجهه النضاح بالحياة، فيصرخ أقرب «حريف» أرجله كالمساويك وأعينه من غورها كأنها اطلت من بئر مهجورة، يصرخ قائلاً «بالله يا كوتش الكيشة دا خانتو الكنب» وفعلاً يغادر لاعبنا «القيافة» الى التخزين القسري أو الطوعي لا فارق، لأن الحقيقة أعلنت عن نفسها بلا مداراة.
وفي ليالي السمر لا يتنازلون أيضاً عن جرأة الانتقاد الجارح المداوي، ولا يدعون المجال لأية ابتسامة ولو مصطنعة، أن تخرج لصالح نكتة هايفة، فمهما كان القائل أو الراوية يهزأون بصوت مسموع «يا أخي دي قديمة» .. «يا جماعة دي بالله نمروها». «يا أخي ما قديتنا» .. يقولونها ولا يبالون.
ولهم في مجال تأديب الاصوات المتخثرة في الغناء مذاهب قبل ظهور «الأورغ» اللعين .. وما زالت في الذاكرة انتقادات من شاكلة «الله يلزمنا الصبر على فنان الحيرة دا» يقولونها بترقيق الراء وفتح الحاء. ويصيحون «يا أخي دا صوت ولا دبايب»..!!
ولهم أيضاً في الشعر وإن لم يقرأوا أوزان الخليل وألفية ابن مالك ومقامات الحريري وكامل المبرد والمعلقات السبع، رؤية نقدية مفصحة ومبهرة تدخل باب البنيوية وتكامل نفسية النص من أوسع أبوابه.. حتى وإن كانت المفردات المستعملة لا تصلح للتداول ولا التوثيق .. «يا أخي صاحبك دا أمبارح ابتلانا بشعر تمباك الله يجازيه».
يا أخي زولكم دا قولوا ليهو دا ما قريض الله يقرضوا الليلة قبال صباح الجمعة كان قرضنا»..!!
وتتوالي جلسات «الهايدبارك» السودانية في كل الشوارع والميادين والمدارس.. فهنا قبل أن تتعقد الحياة البقاء للأصلح والاعتراف للموهبة فقط.. هنا المقدرات طازجة قبل أن يجتاحنا زمان التعليب والحافظات الكيميائية والطباعة على السلوفان التي احالت ببريقها الكذوب الموهبة «المطبوعة» والمقدرات التلقائية، الى بضاعة من الدرجة العاشرة، تُباع بالكوم في سوق أم دفسوا الثقافي والرياضي والاجتماعي والسياسي ببلادنا.
ومن باب الذكرى فإن لي مبحثا قديما أوجزه في أن السياسة السودانية عبر التجربة الديمقراطية، كانت دائماً ما تنهار لأن قادتها أبناء الطائفة والبيوتات والعشائر الكبرى، لم يتعرضوا لتجربة ذكاء الشارع وأصدقاء الشارع وانتقاداته..
فهؤلاء بحكم طفولتهم المغلقة والمرصودة والانتقائية، قد تعودوا على أن يضحك لهم «الحيران» والخلفاء والدراويش لأية نكتة بايخة يطلقونها، ويصفقون لهم لأية قصيدة «تمباك» يبصقونها.. ويهتفون لأية خطبة يلقونها حتى ولو كانت مثل خطب ود السرة في دلالة سوق الجمعة.
وقد كانت النتيجة هي التي تعرفونها، فعندما خرجوا للشارع لم يهتف الناس لخطبهم ولم يضحكوا لنكاتهم ولم يصطبروا لقراراتهم، بل ألقوا عليهم الحجارة.. وأزدراهم الشعب بالهجر أو صمت على الانقلاب عليهم غير آبه بالقادم .. ما داموا قد تخلصوا من قرعة الشحاد هذه المترعة بالبلح والتعاريف والخبز الناشف والجردقة.. وعروق المحبة.
إنه لمن المحزن أن أغلب الموهوبين من أبناء عامة الشعب، لا يجدون طريقهم للرعاية أكاديمياً ولا ثقافياً ولا رياضياً، فيتساقطون في منتصف الطريق، إما لأننا سيادياً لا نملك مؤسسة ذكية لاكتشافهم والتقاطهم وتدريبهم واخراجهم للناس، أو لأن الذين يملكون أمكانات صناعة النجوم من أفراد أو جماعات أو مؤسسات، لهم حقد قديم على هؤلاء، فأولئك يملكون جوهرة العبقرية، وهؤلاء يملكون تراب المال الذي مهما تكاتف وتكاثف فإنه لا يطلق أيدي الجماهير بالتصفيق أو حناجرها بالهتاف..!!
وظللت عبر تجربتي مع الناس والحواري والمجالس والأسواق والعمل النقابي والطلابي والصحفي، أمتلك عناوين بعض هؤلاء الأذكياء الذين تساقطوا في منتصف الطريق.. فصاروا رغم أنفهم صنايعية أو أفندية مغمورين أو سماسرة أو سُمار جلسات أو صحافيين شفاهيين يجملون جلسات الأفراح والاتراح بالنقد السياسي والاجتماعي الطليق، غير آبهين بمؤسسة أو سلطان أو حزب أو جماعة، فهؤلاء فمهما صنعوا بهم «فإنهم لن يفقدوا شيئاً سوى الأغلال، لأنهم باختصار لا يخافون على شئ».
وأغلب هؤلاء وللتاريخ من أصحاب الاطلاع والمداومة على المثقافة الباهظة التكاليف في دولة البلاغ التي لا تملك حتى الآن دار نشر محترمة، أو مطبعة حديثة تقيل عثرة الكِتاب والكُتاب بضم الكاف.. مطبعة مثل التي نشاهدها في مالي وداهومي وسيراليون.. ودعكم من القاهرة ودبي وسوريا التي تأكل كل مدخرات القطن وبعض مدخرات النفط السوداني في طباعة منشورات وهدايا المؤسسات الحكومية وغير الحكومية أول كل عام.
وغالباً ما أقابلهم في مكتبات التراب «وراء البوستة بأم درمان» أو جوار جامع الخرطوم الكبير، فيسخرون ويطلقونها قبل الترحاب.. «حتى إنت بقيت معانا يا أستاذ».
فاضطر أن أدافع زوراً عن طبقتي الاجتماعية والثقافية «إنتو هاربين من الأسعار النار وأنا أبحث عن الكتب النادرة».. يضحكون ويستعرضون ثقافتهم في لؤم نبيل.. «ما دام جيت هنا كان نار وكان نادرة يبقي الفارق في المقدار لا النوع».
ويضحكون مجدداً حتى يتجمع الناس والسوقة وبالكاد التقط «أكواب بابل في ألسنة البلابل» للصاغ محمود أبو بكر و«إشراقة» التيجاني وكتب حسن نجيلة ومسرحية الملك نمر للعبادي، وبعض الاعداد القديمة للرسالة وكتب التراث النادرة التي يبيعها أبناء المثقفين والادباء، حين لا يجد لها أبناء الانترنت أو أبناء «الزحمة» مكاناً للحفظ والصون أو حتى الحلم المستحيل بالاستعراض دعك من المطالعة.
لقد تذكرت حكاية الراحل عبد القادر محمد أحمد الاستاذ الواسع التجربة والحيلة والأخلاق والوطني المثقف والاتحادي الرصين، وقد اضطر في احدى المرات التي سافر فيها متجهاً الراحل على حامد الى القاهرة، أن يقوم على أمر صحيفة «العلم».. وظل علي حامد يوصي عبد القادر حتى ما بقي على الاقلاع إلا دقائق، وحين كان يودعه بحرارة أطل التساؤل الصعب.. ولكن لم تقل لي يا أستاذ علي ما هي مصادرنا المطلعة في دوائر الاحزاب السودانية؟ ضحك على حامد باقتضاب ومضى لكنه همس بها «دا يحيى أفندي الفضلي».
قبل أعوام عندما أطلت مقطوعة الطاري «شيبا» ملكة النوبة الزائفة وتواترت أنباؤها وجولاتها وزياراتها.. أتاني أحد الصحافيين النشطين وطلب مني بالحاح السماح له بمحاورتها لـ «ألوان».. قلت له لا بأس ولكن انتظر حتى استجلى لك الحقيقية.
اتصلت باحد اصدقاء الشارع من الذين زاملتهم بالثانويات والآن يعمل في مجال السمسرة واشغال المباني المتعلقة «بالتشطيب» والاصلاحات.. حلفاوي «واقع من السما سبعة مرات».
قلت له: يا أبو دهب قالوا ظهرت لكم ملكة؟
ضحك طويلاً وأراحني بصراحته أجيك يا أستاذ من الآخر دي مطلوقة وقعت في مطاليق .. نحن بنعرف أسرنا كابرا عن كابر الذين بالسودان والذين بالخارج منذ مائتي عام أجدادا وأحفادا .. ما سمعنا بهذه المرأة العجيبة ولا عن أسرتها.. «وسوف ترى».
صرفت الصحافي الشاب وقلت له أن «مصادرنا الرفيعة داخل دوائر القبائل السودانية» أفادتنا بان «مقطوعة الطاري» هذه لا صلة لها بالحلفاويين ولا سكوت ولا المحس ولا الدناقلة ولا البربر ولا من جاورهم من أهل السلطان الأكبر، وطوينا الصفحة حتى علمنا أن الملكة شيبا قد انتقلت من قمة هيلتون الى شقة متواضعة بحي كوبر ثم سجن كوبر بتساؤلاته وتحقيقاته ثم الى المجهول علي متن طائرة غربية لا أعرف من هو المغفل الذي دفع قيمتها، بعد أن دفع أحدهم في لحظة «مودة» عمياء اكثر من خمسين مليون جنيه سوداني قيمة أيامها بهيلتون المحظوظ.
العقلاء في السودان وفي كل الدنيا لا يثقون في المصادر الرسمية.. بل يلجأون الى ذكاء الناس والعامة مباشرة حتى المصادر الرسمية العاقلة تفعل ذلك.
ومن لطائف ظريف أم درمان أن أحد أبناء إحدى المدن الإقليمية جاء الخرطوم في الستينيات فلم يوفق في أي مجال طرقه، وفي آخر الامر اختار طريق الليالي، فصار منظماً لليالي الحمراء للكبار بكل مستلزماتها من اللحم الميت الى اللحم الحي، وكل مدخلات العنب الرطب والمعتق وكل توابع ذلك.. ومهنة القوادة والعياذ بالله تظهر في الدم والملبس واللغة والحركات.. رغم أنه بذل جهداً جباراً للتمويه عن حقيقة الصنعة، حتى ادعى انه سكرتير خاص لأحد الكبار، ولكن لسوء حطه فان للأفعال رائحة وملحظ.. قال الشاهد إن الفتي جمع مالاً كثيفاً وعقارا وصارت له من الفارهات ثلاث، وأراد أن يكمل المظهر الاجتماعي بالزواج.
سافر الى مدينته الصغيرة بسيارته الفارهة وأولم ودعا وزار و«طايب» وجامل وأعطى ومنح وتساءل، فأسر له بعض أصدقائه القدامى أن «متوكل الاسطى» له ابنة «من حور الجنان» وقد تلصص حتى رآها فشغف بها، وحدد موعد مقابلة والدها.. هنا تدخل المستشارون وأمروه بأن يغير مظهره ويتخلى عن القميص الأحمر «الشافت» والأختام و«الختم» الاستثنائية والحذاء الكعب العالي.. وأخيراً ولضيق الوقت أقاموا نفيراً جمعوا به جلباباً ضافياً وقفطانا ومركوب نمر وعصا فيها جمال وصلابة .. وعلموه المشي ولقنوه جمل الوقار ودخلوا على الأسطي، وبعد حديث «المجاملات» المعهود دلف العريس الى الامر مباشرة، وقالها بلا تردد «بأنه يريد القرب واكمال نصف الدين، ولذا فهو يطلب يد شامة بنت الأسطى»..
وبذات الطريقة المباشرة والمثابرة اجابه الأسطي متوكل بلا تردد:
نحن والله يا ولدي «خايب الرجا» مش لو جانا بقفطان وعصاية على الطلاق لو جانا بدرقة وسيف وحصانو موشح بالدمي برضو بنعرفو» وانتهي الفصل الأخير بضحكاته ودموعه وخرج صاحبنا ولم يعد.
إنه عزيزي القارئ ذكاء الجماهير الذي أدرك زيف الملكة «شيبا» النوبية قبل أن يدركه الولاة الذين خرجوا لها بالطبول ووقعوا معها على عشرات المشاريع، وقبل أن يدركه بعض المثقفين الذين فتحوا لها القلوب والأعين والمنابر وصدقوها، مع أن معرفتها في التاريخ السوداني والنوبي لا تتعدي معرفة طالب في المرحلة الابتدائية عن القائد تهراقا والملكة حتشبسوت.
ومثلما أدرك عامة السودانيين وكشفوا مئات الكهنة والكجور والانبياء الكذبة والثوار المزيفين والقتلة المحترفة الذين يملأون فنادقنا «يوماتي».
أدرك الشعب العربي كله زيف السلطان العربي ومؤسساته، ولذا فإنهم لم ينتظروا الثورة عليه والانقلاب عليه ليبدلوا التعيس بخايب الرجا. لذا فهم الآن يقلبون كل الواقع لا ترقيعه.
لقد كانت الجماهير العربية قديماً عندما تزهد في سلطتها وسلطانها تقيم جمعيات تعاونية للخدمات ومدارس أهلية للتعليم .. أما الآن فقد زهدت حتى في أخص خصوصيات الدولة فأصبحت تقيم جيوشاً أهلية مثلما فعل الثائر حسن نصر الله عندما أسس حزب الله وصار يقاتل العدو التاريخي للأمة اسرائيل وأمريكا بالأهالي مباشرة، لأنه باختصار أدرك مثل متوكل الأسطى ان الجيش العربي «خايب رجا» حتى وان جاء بالبزة المرصعة وعصا الخيزران، وحتى وإن كانت مجنزراته ملطخة بالدماء، لا تصدقوا فهو دم الخراف الذي لا يعلي عليه، وقد عادوا من رحلة ترفيهية لكسر جمود السلام المذل الذي يغطي الساحة العربية الاسلامية والشرق الأوسخ الجديد..!!

قد يعجبك ايضا