أكليـل العرس الضاحـك وتاج المـلك الباكــــي..!!

> اسمها نائلة بنت عمرو، وهى ابنة عز وشرف وملك، وفوق ذلك ذات حسنٍ وجمال مبهر وهتوف.. وقد وثق التأريخ لها شعراً بفتح الشين كان أعجوبة الزمان في كثافته وطوله، حتى إنها إذا تثنت وسارت في أروقة القصر الشامي العبق اضطرت أن تسحبه وتحمله من ورائها حتى لا تحطم طنافس القصر.. وكان لها شعراً بكسر الشين لم يسمع الناس أجمل منه، وكانت ذات معرفة بالقاء متخير القريض حتى صار الشعراء في عصرها لا يقرأون بعد أن تقرأ خوف المماثلة والمقارنة..
ولكن لوعة الانتفاضات المسلحة لم يجعلها تستمتع بشبابها وجمالها ولا ببنوتها لأبيها الملك القتيل عمرو بن طرف ملك الشام والجزيرة، الذي نهض عليه جبار العراق جذيمة فقتله في معركة شهيرة.. وبدلاً من أن تلبس أكليل العرس وهى ضاحكة اضطرت أن تلبس تاج الملك وهى باكية..
> وحيث لم تنهض عاطفة في نفسها أقوى من الثأر لأبيها.. الثأر الذي ظلت تنوم به وتقوم رعته بعقلها وفؤادها ومشاعرها وأحلامها حتى صار وحده هو عريس الأيام المقبلات في حياة الجميلة المكلومة..
> كانت نائلة فوق جمالها قادحة الذهن وذات دهاء وعقلانية وتواضع يفرضه عليها وعلى شعبها وطأة الامكانات مقارنة بامكانات العراق المفتوحة .. إن الثأر حق ولكن كيف لها الاقتراب من دولة حصينة كالعراق وملك مقاتل وشرس ومهيب مثل جذيمة..
هنا فقط قررت أن تلعب لعبة المخابرات والجنس ببعده الخطير ومطامع الرجال أبداً في النساء الجميلات والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والأرض بما فيها من خيل وشجر وما تحتها من حديد ونفط وذهب ويورانيوم والثروات هى هكذا تتناقض وتتقاصر بحكم الزمان والمكان ولكنها أبداً لا تتبدل..
> جمعت أهل الرأي والشورى جهراً وجمعت أهل التخابر سراً وأخذت برأي المخابرات لأنها أرادت أن تسقي أقاصي دفينة نفسها فأشاروا وتوكلت..
> أرسلت رسولاً عارضاً وواصفاً وموقعاً ومعه من الأختام والرسائل والهدايا ما يكفي للإقناع المحتوم. فكان هو حجتها ورسالتها لملك العراق جذيمة.
> أعلم سيدي جذيمة أنني لم أجد ملك النساء إلا قبيح في الأسماع وضعيف في السلطان وليس لى حيلة لضبط المملكة.. وهنا صحت وأيقظت فيه فتوة الذكورة فضحك ووقف طويلاً في عبارة: (إن المُلك عند النساء قبيحٌ في الأسماع وضعيف في السلطان)..
وتوقف عند الزعامة المرتجاة والضعف المعترف به في جملة (وليس لي حيلة لضبط المملكة).
> فأنا لا أجد نفسي كفوءاً لهذا الأمر الصعب بل لا يصلح لهذا الأمر الجليل غيرك فأقبل إليّ أجمع ملكي إلى ملكك وأصل بلادي ببلادك ـ فتقلد أمري مع أمرك.
هنا انتبه عزيزي القارئ لدعوة الوحدة الفوقية هذه التي مارسها العرب قديماً وحديثاً وهو داء يظل يمارسه السلاطين طويلاً غير مبالين، ولكن كل هذه المحاولات قد باءت بالفشل لأنها تبدأ بالعرش وتنتهي به دون أية محاولة لإشراك الجماهير في عقدها أو في فضها..
تجربة عبد الناصر والقوتلي وانهيار الوحدة المصرية السورية.. تجربة ميثاق طرابلس وانهيار محاولة القاهرة طرابلس الخرطوم..
إنهيار الاتحاد المغاربي والأمثلة كثر، وهذا سيكون حال القادمات ما دامت المحاولات تجري سراً وبعيداً عن الخلق والأكثرية..
ولنعد لمليكتنا فقد أكمل الواصف بحذق وصف وجهها الصقيل وعودها المترف النحيل وشعرها المسدل الطويل وأعينها الدعجاء وأفخاذها اللفاء حتى أسال لعاب جذيمة..
فوافق على العرض (قطع أخدر) وما كان اجتماع مجلس شوراه ووزرائه ومخابراته وأعينه، إلا محاولة بائسة وصورية للبصم على نزوة الملك ودفع نزوة الوطن كله لتوافقها فما دام الرضاء موصولا والامتيازات جارية فليذهب الوطن إلى الجحيم..
وقد صدر القرار الآتي وعلق في أسماع الناس: (وهل في ذلك رأي.. انها تعرض عليك مملكتها بعد أن استبانت ضعفها وقلة حيلتها وكيف لها!! وهى فتاة غرة لا حول لها ولا قوة ولا قبل لها بمجاراة الملوك ولا بصدهم، فآثرت أن تسلم وتضمن السلامة، فالرأي أن تقبل فوراً عرضها عليك وتتأهب في الحال للذهاب إليها مثلما أشارت «أمبراطوراً وعريساً»).
هكذا أجمع مجلسه الوطني أو مجلس شعبه أو برلمانه أو اتحاده الاشتراكي أو مجلس شيوخه أجمع وبصم ونافح .. إلا «قصير» العراقي القح (ود البلد) الذي جاء إلى منصبه بكفاءته وحبه للعراق رغم قصره ودمامته.. والشكل عند المستبدين مهم جداً وليس ذا قيمة عند الجماهير.. دافع قصير عن رفضه بحزمة من الحجج الرصينة فلم يستمع له أحد فصرخ وغادر الاجتماع بقولته الشهيرة:
«رأي فاتر وعذر حاضر»..
> قضي الأمر وأصدرت المؤسسات رأيها الفطير وودعت ملكها للدخول في وحدة بلا دراسة وبلا استفتاء من الشعب المقهور.
> ذهب الأمبراطور العريس بحرسه الخاص وقد جعل على عرش العراق نائبه وابن أخته عمرو بن عدي أثناء فترة توقيعات بروتكولات الوحدة وقضاء شهر العسل..
> دخل الشام وقد استقبلوه عند الحدود بالطبول والأناشيد والعطور والزهور.. وعندما توسط أرض الشام أحاطت به فرقة لواء من المشاة المدججين بالسلاح بحجة الحماية والمرافقة حتى أبواب القصر.. ارتبك حينها ولاحت له دلائل الشرك الواضحة.. وبالرغم من هذا فقد كذب هواجسه ولواعج نفسه الطارئة، فليس هنالك باب للتراجع وليس له مخرج جديد غير هذا الطريق الذي اختاره لنفسه.. وفي نفسه البيت الحبيب لمظاليم نادي الخريجين السوداني:
مشيناها خطىً كُتبت علينا
ومن كُتبت عليه خطىً مشاها
> وعند القصر تراجعوا ودخل الملك الموعود بالقمر.. وحده بلا حرس وبلا حراسة.. رأته وكانت جالسة على عرشها في صلف بعباءة الملك ووقار زي الإدارة لا قميص الزفاف.. ومالت ساخرة: يا جذيمة هل تراني قد تزينت لك كعروس!!
> هنا فقط أدرك المستبد الغرير المغرور أنه وقع صيداً سهلاً بين يديها وأنها قد مكرت به.
واستدرك نادماً أنه لم يقرأ الوقائع ولم يقرأ التأريخ.. واستدرك أن الشعوب لا تنسى ثأراتها مهما تبدلت الأيام وتراءت المصالح.. ندم حينها حيث لات ساعة مندم.
وقد حاول حوارها واستدراجها بمعسول الحديث والوعود.. وأن يستميلها بالعقل والحكمة ودهائه القديم..
ولكنها ردته بجفاء وقسوة وأبدت له نفساً وثابة ومتعطشة لسفك دمه ثأراً وانتقاماً لأبيها القتيل.. وما هى إلا دقائق معدودات حتى ظهر الجند واقتادوه حيث نال الأحمق حتفه مادياً ومعنوياً وضجت بالخبر صحارى العرب ونجودها.
> وصل الخبر لنائبه وابن أخته عمرو فبكى وتمزق وغضب واتخذ قرار المنازلة حالاً.. حتى أطل قصير ببروده القديم وحكمته وقال: إن الذي وصلنا أن هذه الملكة قد أعدت السدود والأنفاق والمتاريس واستعدت بجيش غلاب وشعب يملأه الزهو وقد زاده الثأر المنفذ في قلب عاصمته قوة وكفاءة وتحدياً..
وقد علمنا أن الملكة صارت لها أنفاق ومنافذ لا يعرفها أحد غيرها.. فاستكن الآن يا سيدي وصابر ورابط حتى نجد للعقدة حلاً وللكارثة سبيلاً.
لقد كانت أقوى حجة لقصير أعلم سيدي: بمثل ما لك من عقل فهى ذكية وحذرة وباطشة.
> ولأنه لابد من بديل لكل قرار خطير فقد سأل عمرو الانتقالي قصيراً: إذن بماذا تشير علينا؟
وكان رد قصيراً الوطني الحر والمضحي من أجل بلاده وهو يعتصر ألماً لموت ملكه بتلك الطريقة المهينة:
ـ الحل يا سيدي هو أن تضربني بالسوط أمام الملأ حتى أتمزق ويهترئ جلدي ومن بعد ذلك تجدع أنفي!!!
أصاب الذهول عمرو لهذه المطالب العجيبة والمؤلمة وكاد ألا يصدق أذنيه.. تجلد وتهترئ ويجدع أنفك؟!!
لماذا كل هذا العذاب وما الذي ترمى إليه؟
فأجاب «قصير» بحزم: إما أن تفعل هذا بي وإما أن تنسى ثأر خالك.. وفي حال رفضك فإنك لن تصل الملكة القاتلة أبداً؟
فلما تدبر عمرو في القول ونظر لحكمة قصير القديمة ورأى التماع الشجاعة والحزم في عينيه فعل به ما أراد فجلده في قلب بغداد حتى اهترأ وجدع أنفه.. ولكنه بعدها أطمأن أن «قصير» رجل المخابرات الوطني الشجاع قد أعد مكراً يزلزل الجبال فكيف بملكة غريرة.
> تسلل من الدروب الخلفية متخفياً في اتقان حتى وصل الشام وشوهد أمام قصر الملكة يصرخ ويبكي ولأنه شهير فقد حدثها حرسها بأن قصير مستشار عمرو بالباب في حالة مزرية..
> لقد اتهمنى يا سيدتي بأنى أنا الذي غررت بخاله الملك وزينت له اللحاق بك وقدمته لقمة سائغة لك.. اتهمنى بالخيانة ومزق جسدي بالسوط وجدع أنفي وأخرج ملابسه البائسة وهو يبكي.. فهل تقبلي بي خادماً أميناً وناصحاً رشيداً؟ ثم ركع بين يديها منتحباً.. فصدقت وقد شهدت دلائل صدقه ورأت جسده النحيل القصير موسوما بالدماء والقروح.
> فعل كل هذا باحتراف تخابري مدهش، فكان له ما أراد وصار خبيراً في بلاط الملكة الحسناء لا يرد له رأي ولا طلب.
> ولإكمال دوره فقد قدم لها مجموعة من النصائح المهمة التي استطاعت عبرها أن تسوس دولتها وتقيم دعائمها.. وتكسب ود شعبها.. فلما تيقن من أنها وثقت به تماماً.. عطف على الاقتصاد والمال وسبل كسب العيش المدخل الأروع على قلوب الحكام والمدخل الأخطر للصناديق وعواصم الربا.
> لقد كان مشروعه المدهش أن له مالا كثيرا بالعراق سيهبه لها.. ولكن من الأجدى أن يجعله مبادلة سلع يشتري من الشام ما ليس بالعراق، ويجلب من العراق صنوفهم من البقوليات والحبوب والمتاع والثياب والعطور، فيكسب من هنا ويكسب من هناك. وقدم لها دراسات الجدوى ففرحت بالمشروع وحملته بكل طيبات الشام وذهب في رحلة باذخة بالأحمال.. ودخل العراق متنكراً وقابل مليكه الجديد (عمرو) سراً فرد له القافلة بكل ما في العراق من متاع ما فاق حلم الملكة (لم تكن تجارة ولكنها كانت منحة مستردة الثمن) ولو بعد حين.

قد يعجبك ايضا