حلـــــوى المســـاء..!

< قال لي أحد السياسيين الجدد من أولاد المدن: وهل في الشعر القومي من مفهوم متكامل للوطن؟
قلت: الكثير.. ولكن ما بقي في الذاكرة:
الرهد البقوقي دباسو
ردتو جميعو قمريهو وبلومو وناسو
على البعيد أكتافو من خراسو
دودو بي واندفقن جماجم راسو
أسألوني أنا عن الشطر الأول، وأسألوا الشريف عن البعيد أكتافو من خراسو ودودو بي واندفقن جماجم راسو، ولا تقبلوا منه اعتذاراً بحجة.
«كل ميسر لما خلق له» لأنه خلق لكل هذا ويزيد..
نصيحة موظف زكاة
أحد شبابنا تم تعيينه لصندوق الزكاة وسألنى نصيحة، قلت له: ليس لي لك أكثر من نصيحة: «اتق الله» بإجمالها، أما التفصيل فقد قال به الإمام الثوري:
لا تكن في هذا الزمان إماماً
ولا مؤذناً
ولا عريفاً
ولا تأخذ من أحد مالاً لتفرقه على الفقراء..
< مجموعة من الطلاب السودانيين كانوا في «انديانا ستيت يونيفرستي» ربطت بينهم علائق العلم والغربة وعجمة الفصيح وغربته في بلاد الأمريكان.. كانوا يتحسسون كل شئ على رفق ودهشة السلوك والمناهج وطرائق الحياة والصدق الظاهري المخيف.. والحرية المطلقة التي تبدأ بحرية التعري حتي حرية الانتحار والإدمان.. كل شئ متاح للنجاح والتفوق والشذوذ والتدين، على شرط أن يكون كل ذلك تحت «رقابة» المؤسسات اليهودية مع مباركة السود الذين يسمح لهم بكل حقوق السقوط والمتاح..
دخل الطلاب السودانيون ذات صباح الجامعة، فوجدوها «مقلوبة» الملصقات والأحاديث والخطابة. كانت دار الاتحاد تتحدث بصوت واحد عن الحادث الخطير، فكانت الجريمة كالآتى: «لقد ضبط نائب رئيس الاتحاد يهاتف مكتب النقابة الطلابية مع مدينته القريبة.. مستغلاً نفوذه لينال حقوقاً ليست له.. وكانت قيمة المحادثة «03 سنتاً» فقط لا غير، هى التي أقامت الجامعة ولم تقعدها، حتى أدت إلى استقالة نائب رئيس الاتحاد الذي ستكتب في دفاتره المستقبلية، تنتظره عند أول محاولة لتمثيل الآخرين عبر الجمهوريين أو الديمقراطيين. وعليك عزيزي القارئ المقايسة مع الواقع السوداني والسلام.
من أخطر التقارير التي كتبت لمعاوية من أجهزة مخابراته وقد سطرها حبيب بن مسلمة الفهري، قوله لمعاوية بعد أن تفاقم نشاط أبي ذر بالشام: «إن أبا ذر مفسد عليك الشام فتدارك أهله إن كانت لكم به حاجة».
< إن سيد قطب قلما كان يتحدث في السياسة بمعناها الحرفي، إلا أنه سمع في إحدى ندوات القاهرة يقول: «إن أهون معارك الصليبيين والصهاينة هي معارك السلاح والعتاد والمواجهة».
لأن وضوحها يستوجب مقاومتها ويمد الجماهير بالتعبئة المضادة. وأن أخطر معاركهم هى المعارك المدنية التي تُدار ما بعد الحصون سياسية واقتصاداً واجتماعاً وإعلاماً وتخابراً.. لأن هذه تعتمد على الدس والكيد وهم فيه أساطين.. وهزيمتهم للمسلمين تتم على طريقة «المراحل» دون أن ينتبه الشعب للمواجهة أو التعبئة. وهنا تؤخذ أمصار الإسلام «على حين غرة».
< أرجو أن أكون قد نقلت كما قرأت، لأن أسلوب سيد لا يجارى..
< كما أرجو أن تكون عزيزي القارئ قد فهمت بأن المعركة الآن تُدار ضد السودان «بالقطاعي» الذي أعلمه تماماً أن «حقنة السم» قد دخلت في الذراع وصاحب الذراع نائم.. أما الذي لا أعرفه تماماً متى يكملون «غرس الحقنة الثانية».. ولا أعلم متى يعلنون لحظة الإجهاز على الضحية إكلينيكياً أو إعلامياً.
< وأما الذي أعرفه تماماً ولا أعرفه تماماً، أنك تعلم الكثير وأهلك يقولون في الجزيرة «الواعي ما بوصوا» وإنك، أعني بها الجماهير.
< رأيته مهملاً في ملبسه في ندوة شهيرة، مع أن كل الحضور في زي السهرة، إلا أن أداءه كان رفيعاً، ولأن الإهمال كان واضحاً في مظهره حتى لفت انتباه المشاهدين، وقد أحسست أنه قد شاهده في أعينهم.. ولم يبال. أسرعت نحوه بعد أن نزل من المنصة وقلت همساً: ليس مهماً أن تكون مهملاً في هندامك، لأنك مضطر، ولكنك يا أخي ما زلت كما عهدناك تحتفظ بروح نظيفة وديباجة أنيقة.
< فرد بابتسامة مضيئة: إن كلمتى هذه هى «حلوى المساء»!! فقلت إن حلوى المساء هذه يا هذا مطلع لقصيدة، ولكن قاتل الله الكتابة اليومية، فقد أكلت قهراً الكلمات المعتقة.. والكلمات المعتقة هى وحدها المدخل الوحيد للشعر.
< وقد سألني فني إذاعة المساء FM101 أن أكتب له مدخلاً تعريفياً لعثمان حسين فكتب عفو الخاطر الآتي فهل يا ترى ستكون على قامة هذا العملاق الخطير.
< المدينة التي أحتضنت جمعية الاتحاد وبكت باعتداد على شهداء 24 وصنعت برفق إتحاد الخريجين وتظاهرت ضد الجمعية التشريعية وقادت التكوينات الفكرية والأحزاب ومزقت أكذوبة القبليات والجهويات وسمت فوق اللون والعرق واللسان وأحبت في جلال وتشاركت في حلال وتآزرت في كمال وأحتشدت في جمال.
< كانت تبحث عن فنان يعبر عن الرؤي والمشاعر الجديدة والإستشراف المثمر بعد أن ملأ الشعراء والساسة والتكنوقراط الدروب.. وكان حظها سعيداً فمن بين الملايين خرج ذلك الأسمر الباهي المشاعر والدافئ الصوت والمثقف الإحساس جاء على قدر عثمان حسين فكان فنان المدينة وكان مدينة من الفن والشجن والبوح المسافر.

Comments are closed.