الجميع يفضلون الوزارة !!

عزمي عبد الرازق
< في فبرايل من العام (2010) صعد الدكتور كامل إدريس منصة الترشيح الإنتخابي عازماً على بلوغ القصر، أهم ما إسترعى في خطابه المباشر أنه إذا أصبح رئيساً للسودان فلن يأخذ راتباً من خزينة الدولة، وسيعمل خادماً للشعب السوداني وبالمجان. بدت هذه الجزئية تحديداً في خطابه مستغربة،من الجمهور ومن مسؤولين تعني لهم المناصب رحلة من الإمتيازات والرفاهية لا أكثر، وأول ما يفكرون فيه هو السيارة الفارهة والنعيم والمنزل الذي تجوب فيه الغزلان وتحيطه الأسوار العالية، بجانب النثريات الدولارية، وهى أماني تداعب قلوب الكثيرين هذه الأيام .
< على مقربة تتخلق الحكومة الجديدة، رهط من القوى السياسي دفعت بقوائم مرشحيها، بينما يضرب الخلاف اجتماعات الأحزاب الصغيرة والكبيرة في من يمثلها، غازي صلاح الدين يعود لتعزيز فرصه بعد التوقيع على وثيقة الحوار الوطني، ويلعب معه في التشكيلة الطيب مصطفى وشعيب وغالباً فرح العقار، أما ميادة سوار الدهب فلم تتردد في أن تحجز مقعدها باكراً بدهاء، وكذا الحال مع تراجي مصطفى التي تركت كندا تماماً، واختارت أن تبقى في الخرطوم (وتشوف أخرتها) بتعبير الشاعر الراحل سعد الدين إبراهيم .
< الشعبي حدد موقفه بإعتماد المشاركة، وأحال أمينه العام الدكتور علي الحاج الأمر إلى لجنة حزبية لتحدد من تختار، وهذا يعني أن الشعبي يدخل بثقله .. في المقابل فإن الشتات الإتحادي كله، بقيادة مولانا الميرغني ومن هم في الضفة الأخرى ينتظرون نصيبهم من هذه (الكيكة) التي لا يعلم أحد في من (تحوق) .. وهنالك عبد الرحمن الصادق المهدي الذي تعود على القصر ولا يرغب في الفطام، بل يمكن لوالده أن يقمع الأصوات المناوئة ليطمئن على مستقبل إبنه، رئيساً محتملاً بعد أن تعلم (الحلاقة) في صالون الحكومة  .
< المثير في الأمر أن الفريق بكري حسن صالح النائب الأول رئيس مجلس الوزراء لم يترك أي نافذة للتسريبات هذه المرة، وأحاط حكومته بسياج من السرية والغموض، من حيث المعايير والأسماء، وهو بذلك كمن يهيء الملعب لمفاجأة محتملة ربما تطيح رؤوس كثيرة، وتقدم طبعة جديدة للإنقاذ، أو بالأحرى حكومة وفاق وطني تنتمي للناس العاديين .
< المشكلة أن الحكومة المنتظرة لن تخرج من الأسماء التي سيدفع بها شركاء الحوار الوطني، والمطابخ التنظيمية، وفي هذه الحالة سيكون رئيس مجلس الوزراء في حيرة من أمره، أيقبل بهذه الأسماء أو يمررها فيراكم الإحباط علينا، أم ينتظر طحين شركاء الحوار؟ وربما تدور ذات الدائرة، فيستجمع هؤلا الوزراء (قوة عينهم) ويصرون على البقاء، فنفجع بذات الأزمة، وبحيث أنّ (1%) من قادة الخدمة المدنيّة يسيطرون على (90%) من مواردها والبقية يقتسمون فتات العشرة المتبقية .. هذا ما نخشاه بخلاف المحاباة وتفضيل الصحاب والموالين .
< بالطبع فإن السودان اليوم لا يحتاج إلى سياسي ناجح، بقدر ما يحتاج إلى إداري ناجح. والسياسيّون في الدول التي عبرت يقومون بوضع ومراقبة السياسات، ولا يتدخلون في تفاصيل المسائل الإدارية الدقيقة، ولو أخفق أي وزير أو مسؤول في مهامه، فإنه يستقيل قبل أن يُقال، وليس مثل ما يحدث هنا يفشل ويصر على استكمال دورة الفشل .
< المطلوب اليوم وبشدة، أن لا تصبح المناصب مغرية، وتجفف من الإمتيازات تماماً، ويصعد الوزراء سيارات عادية _لا أريد أن أقول المواصلات العامة _ ولكن سيارات عادية لا تحجب عنهم الشمس وشكاوى الناس وسخطهم، ومن ثم يقتصر السفر الخارجي على المؤتمرات التي تعود على البلد بفائدة مضمونة، ويكون التمثيل بأقل عدد ممكن .. المطلوب أن تصبح الموقع الحكومية والوزارية عادية وغير مغرية، لنعرف من يريد أن يخدمنا، ومن يريدنا أن نخدمه .