وزير العدل (لهؤلاء) .. نحن لكم بالمرصاد

عايدة سعد
بإعلان رئيس الجمهورية تكوين مفوضية رئاسية لمكافحة الفساد، تنفس الكثيرون الصعداء لجهة ما يمثله الفساد من (بعبع) أرق الشعب والحكومة معاً.. ولعل ما زاد من تفاعل الشارع مع القرار وترقبه لإجراءات الحسم، ما أعلنه مسئول الأكاديمية الدولية للفساد عن ترحيبه بخطوة رئيس الجمهورية ومراهنته على قدرة الخرطوم على حسم الفساد حال توفرت لديها الإرادة السياسية.

اعتراف بالفساد:
لم يكن حديث الرئيس البشير عن تكوين مفوضية للشفافية ومكافحة الفساد أثناء مخاطبته لأعضاء المؤتمر الوطني، في ختام الدورة التدريبية للبرلمانيين بقاعة الشهيد الزبير هو الأول من نوعه، حيث اصدر رئيس الجمهورية قراراً في فبراير من العام 2011م، بتكوين مفوضية لمكافحة الفساد تتبع للرئاسة واعتبر المشير عمر البشير في ذلك الوقت أن اكبر مشكلة من المشكلات التي تواجه عمل الجهاز الإداري ببعض المؤسسات والوزارات والوحدات الحكومية متعلقة بتجاوز اللوائح المحاسبية، وشدد حينها على ضرورة الالتزام بالإجراءات المتبعة في تسيير أموال الدولة، ضرورة المراجعة الداخلية داخل الوحدات الإدارية حتى يتم تقليل التجاوزات ، وعلى الرغم من أن المفوضية التي تم تأسيسها في العام 2011م، لم تستمر في عملها سواء فترة بسيطة بسبب انشقاقات وخلافات نشبت داخل الحزب الحاكم وظهر تياران الأول رافض لإنشاء المفوضية لاعتبارات متعلقة أن قيامها يعطي الفساد بعدا اكبر، وهو ما لا يتناسب مع حقيقة حجمه على ارض الواقع بينما التيار الآخر يري ضرورة أنشاء المفوضية باعتباره يمثل مظهرا ايجابيا ويؤكد أن الحكومة على درجة عالية من الالتزام بمكافحة الفساد، وشددت على أن الدولة تحتاج إليه بشدة لأنه يعمل على تحجيم الفساد واحتوائه وتقليله بقدر الإمكان في المستقبل وإن الاعتماد على الأجسام الديوانية الموجودة لا يجدي، ولكن هذا التيار أنزوي مؤخرا وفاز التيار الرافض للمفوضية وبالفعل فشلت في عملها، واستعاضت الحكومة عنها بتفعيل قانون الثراء الحرام.
أوان الحزم:
لكن يبدو أن الحكومة الجديدة تريد الدخول في حقبة الخمس سنوات المقبلة، وكل شيء على ما يرام، بعد تعهد المشير عمر البشير رئيس الجمهورية المنتخب بتكوين مفوضية للشفافية ومكافحة الفساد ستتبع مباشرة لرئاسة الجمهورية، وتأتي هذه الخطوة بعد كشف تقرير المراجع العام لعام 2014م عن اعتداء وزارة المالية على مبلغ (16) مليار جنيه عبارة عن التزامات على وزارة المالية بحسابات بنك السودان لم تظهر في الحسابات الختامية للمالية تجري ملاحقتها بحسب ما كشفت مراجعة ديوان المراجع العام.
العدل بالمرصاد:
وفي حديثه أمام البرلمان قال وزير العدل مولانا عوض الحسن النور إن حالات الإعتداء علي المال العام التي وردت بتقرير المراجع العام المتعلقة بالأجهزة القومية للفترة من1/9/2015م وإلي 31/8/2016م قد بلغت (33) حالة بمبلغ إجمالي قدره (7.555.758) مشيراً إلي أن نيابة المال العام قامت بإتخاذ إجراءات فيما يخص الحالات التي وصلت إليها بإحالتها لـ(9) دعاوي جنائية منها إلي المحكمة ،وكشف النور عن صدور مذكرات قبض من الشرطة الجنائية الدولية (الأنتربول) في مواجهة المتهمين في قضية خط هيثرو المتواجدين خارج البلاد.
وضع قانون:
وفي حديثه لـ(الوان) طاب الخبير القانوني د ـ أسماعيل الحاج موسي بوضع قانون لمكافحة الفساد بجانب الألية حتي يساعدها في محاربة الفساد ،مضيفا أن ما تم في السابق من تكوين مفوضية لم تأتي أكلها ، قائلا لا بد من تكاتف الجهود من كل الجهات ذات الصلة حتي تردع الفساد والمفسدين.
أيضا طالب القيادي بالوطني د ـ ربيع عبدالعاطي أن الأليات التي تضعها الحكومة لمكافحة الفساد لن تكون ناجعة أذا لم يصاحبها أفعال في أشاعة طهارة اليد بالتعامل الشفاف في كل المعاملات ، قائلا هذه الأليات لم تأتي أكلها في السابق بسبب ضعف الوزاع الأخلاقي والديني لذا أصبح مردودها ضعيف ولن تجتز الفساد .
الدولة والفساد:
الراصد لمجريات الأمور يلحظ أن الدولة السودانية لم تشهد منذ الاستقلال خاصة في – عهدها الأول – أي مظاهر فساد، حيث كانت تخضع الدولة للنظام الإداري الذي كان يتسم بالصرامة التي ورثها من النظام الإداري البريطاني، إلا أن إحالة الكثير من الموظفين الأكفاء باسم التطهير في فترة انقلاب عبود، كان بمثابة بداية للانهيار الحقيقي لأحد أهم ركائز الخدمة المدنية المتمثلة في الجانب الإداري الذي كان يقود دولاب العمل في الدولة آنذاك، بينما شهدت الديمقراطية الثانية عدد من مظاهر الرجوع للنظام الإداري القديم ورغم ذلك لم تعد الخدمة إلى سابق عهدها، الأمر الذي أرجعه البعض إلى عدم الاستقرار السياسي بسبب عدم قدرة الأحزاب في معالجة قضايا تلك الفترة مما دفع الجيش للانقضاض علي السلطة، برغم رفع انقلاب مايو لشعار الإصلاح والثورة علي القديم إلا أن ذلك لم يكن كافيا – وفقاً للمعطيات – لتحقيق ما يصبو إليه النظام في تحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين لان النظام تبني في بدايته أيدلوجية ماركسية ، فكان لابد من وضع قيادات موالية لخدمة أهداف النظام في الخدمة المدنية.
اتجه نظام مايو حينها نحو الريف لتحقيق التنمية المتوازنة بإنشاء المشاريع الزراعية والصناعية مما ذاد من نسبة الدخل القومي فذاد بذلك نسبة التجاوزات المالية لنظام الدولة ولعل من ابرز التجاوزات دخول مسئولي الدولة الكبار في صفقات مشبوهة كتهريب الفلاشا، والحسابات الخارجية للمسئولين بالدولة وكثير من الفضائح المتعلقة بالتربح من الوظيفة العامة واستغلالها ولعل الفساد الذي ضرب جنبات النظام من أهم أسباب سقوطه في 1985م، ومن ثم جاءت الديمقراطية الثالثة ولم تختلف عن سابقتها كثيرا حيث تواصل عدم الاستقرار السياسي إضافة إلى ازدياد فساد وزراء الحكومة بمختلف أحزابها، والتي ظهرت من خلال الصفقات التجارية والتي طالت حتى أعضاء مجلس رأس الدولة، والتعويضات لآل المهدي التي كانت سببا لفض الائتلاف بين حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي، عجلت تدهور الحالة الأمنية والاقتصادية إضافة لشبهات الفساد التي حامت حول الكثير من الرموز بسقوط الحكومة الديمقراطية وانقضاض الإسلاميين علي السلطة .
في فجر يونيو 1989 جاءت الإنقاذ بخلفية إسلامية، حيث تبني النظام المشروع الحضاري الإسلامي، الذي يقوم علي تبني النهج الإسلامي في الحكم والعلاقات الاجتماعية فكان يمكن أن يكون عاصما من الفساد خاصة لدي المسئولين، فحين جاءت السلطة الحالية إلى الحكم ورفعت شعارات الدين والأخلاق، ظن الكثيرون أن هذا هو آخر عهد السودان بالفساد،
خصوصاً بعد الاكتشافات البترولية وازدياد الموارد المالية للدولة وبروز ظاهرة شخصنه الدولة في كثير من المرافق الحكومية ظهرت بعض حالات الفساد التي صارت ضمن جداول عمل مفوضية محاربة الفساد.
فاختلط الخاص بالعام فأصبح الفساد في السودان ظاهرة عادية بالمعنى الاجتماعي وجدت الانتشار والقبول وكأنها ليست خروجاً على المعايير السائدة، الأمر الذي أرجعه البعض إلى طبيعة النظام الشمولي حيث ترفع القوانين أو تصمم لمصلحته، والاهم من ذلك غياب فصل السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية، خاصة خلال السنوات الأولى، حيث شهد السودان هيمنة وسيطرة الحزب الواحد بامتياز، فقد استحوذ الحزب الحاكم على كل الوظائف التي تمكنه من إدارة البلاد بصورة مطلقة، وهذه وضعية شاذة للإدارة والحكم إذ يتم استبعاد وإقصاء غير المؤيدين أو المتعاطفين، وللحد من الفساد المستشري في السودان ،وكان قد أوصى النائب السابق لرئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه من خلال الملتقى الاقتصادي 2013م، بتكوين مفوضية لمحاربة الفساد، وزيادة الإنفاق على الاستثمار، بجانب إعادة النظر في آليات ديوان الزكاة والأوقاف والتنسيق بين السياسات المالية والنقدية وانتهاج سياسة مالية واضحة، مع العمل على هيكلة الجهاز المصرفي، والاهتمام بالإنتاج وترقية الصادرات وإحلال الواردات وتفعيل العمل بنظام سعر الصرف.