ندوة بنكهة البطاطس

لست أدري كلما يتحرك الزمن للوراء تتقلص حاجتنا إلى الثقافة رويداً رويداً… ونخاف أن تصبح مجرد (شغلة فارغة) في ظل الركض اليومي صوب (قفة الملاح) التي أصبح كل طريق لا يؤدي إليها .. طريق تائه.. وحكى فاضي.
مازلت أتذكر حكاية مزارع بسيط ابنه زول (مثقفاتي) كبير لا توجد ندوة إلا وكان حادي ركبها ويستعرض مهاراته الفلسفية والفكرية على الجميع .. ولكن تصبح آراؤه مجرد (كلام في الهواء) إذا اصطدمت هذه النظريات باستراتيجية البقاء… أو بصحن فول أو كباية شاي .. وكيس رغيف.
مرة عاد هذا الفتى المثقل بالأفكار إلى منزله فوجد والده مهموماً شارد الذهن فحاول الابن أن يلطف الأجواء قائلاً (ما شفت يا أبوي الندوة العملتها .. الجماعة طلعوا مبسوطين فالتفت إليه والده وهو يخرج زفرة حرى ممزوجة بسخرية لاذعة (يا ولدي .. ما عندك ندوة نسويها ملاح) .. واتحفظ عن سرد بقية التفاصيل لأن علاقة الفكر بالمعيشة ضربت الوتر الحساس (وطرشقت) المرافعة التي كانت لصالح الجوع الذي لا يعترف (بالنظرية) الممحوقة.
أصبحت الخرطوم تنام بعد العاشرة مساءً لأن الأجساد المرهقة لا تقوى على السهر والحمى وضاعت ليالي حالمات بالأسى.. فالقلوب لا ترصد والعيون داعبها النعاس لأن مواثيق الحياة عندنا ترتبط بدوام أصحاب المخابز وقدرة الفول التي تغلي كالمرجل.
الحياة بمعناها الجديد (رفرت) الثقافة والفن كل مواعيد الحضور الأخرى .. في مواجهة الهم الأكبر كيف نعيش.
تعطلت المنتديات والصالونات الأدبية وأصبحت أمدرمان مجرد أنثى مهمومة باصطياد الاسماك وشوائها .. وأصبح الطريق إلى المسرح القومي صامتاً إلا من حركة الطيور وهواء النيل المنساب في الفراغ الممتد الذي يغري بالخوف وحتى الاشراقات التي تتم على خشبة المسرح القومي إلا أنها تضيع عبثاً في دوامة المحصلة الكلية .. والمشهد العام يؤكد انصراف الناس عن هذه القيم واعتبار أن كل ما يتم على الأضواء الخافتة والمنصات ماهو إلا نص عبثي وسيناريوهات هاربة من مسؤولية الحياة كما يزعمون .. لماذا كانت الثقافة في السابق تدار على الهواء الطلق وبشفافية مطلقة.
هل الترف الذي يولد هذه الاشواق وهل الوضع في السابق كان برجوازياً.
أبداً لم يكن كذلك ولكن قناعاتهم لهم بالأنس والتوادد والإلفة .. وحضور الليالي البارقات لأن عقولهم كانت تحتاج إلى زاد المعرفة ومؤونة الثقافة .. عكس ما يحدث فاللهفة والاشواق كانتا أمنيات الحالمين .. أما الآن فقد تحولت إلى لهث مخيف نحو القشور والبهرج والجوعى يتشبثون بالخبز الناشف خوفاً من المسغبة إنها تداعيات التناقض في الزمن الرمادي.
ولكن ندرك جيداً أن مقدار ما يتطلبه الاستقرار نقص عن الثقافة .. ومازالت المنظومة قابلة للتداول والتأرجح .. وربنا يستر .. وإلا سنحتاج إلى ذلك الأب الذي يطالبنا بندوة بنكهة البطاطس … عشان يسويها ملاح