قام بالحق رحيماً

< مدينتك الحديقة يا رسول الله.. وكلمة التقوى .. وتسبيح الملائك في ذؤابات النخيل وهي المدينة التي نورت بنوره وأضاءت بقناديل سيرته صلى الله عليه وسلم
< أيام قضيتها بمدينة المصطفى (صلى الله عليه وسلم) حيث القرآن الكريم فجرياً و(جموع) القادمين إليه عن باب السلام قضيت تلك الأيام في رمضان الماضي وعادت ذكراها قوية هذه الأيام مع ذكرى مولده (ص).
< عادتني تلك الذكريات وكأني أمام الروضة الشريفة وذلك المقام العالي، عند الدخول إلى حرم (يثرب) تشعر برهبة المكان.. هنا جاء رسول الله وسيد ولد آدم في هجرته الميمونة حيث أطل على أهل يثرب من ثنيات الوداع. وهنا موقعة (أحد) التي مثلت الفرقان بين الحق و الباطل..
< وهنا تنبض سيرة (المصطفى) وسنوات فيها شبّ الإسلام عن الطوق.. وهنا قويت شوكة (الدين) وهنا قال عليه الصلاة و السلام: (ليبلغن هذا الأمر مابلغ الليل والنهار) .. وهنا مرقده (الطاهر) وجسده الشريف.. وهنا (منبره) وهنا (الجزع) الذي حنّ وبكا وكان له وجيب حتى حضنه الرسول الكريم وضمه فسكت، وهنا (روضة من رياض الجنة، وبحسب وصف الله تعالى إنها (مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب أحد) ..
< وهنا مرقد أبي بكر الصديق وعمر وهما خير ما حملت الأرض من حكام المسلمين.. وهنا (البقيع) حيث مراقد الصالحين وزوجات النبي (صلى الله عليه وسلم) والخليفة الثالث عثمان بن عفان، وعلماء الأمة وأحبارها.. وهنا مزاراتها (مسجد القبلتين ومسجد قباء ومراقد شهداء أُحد(حمزة وابن عمير) ومسجد عائشة.
<(رهبة) المدينة المنورة يخالطها حب له لونه وله طعمه الخاص .. ذات الأراضي التي سار عليها الرسول الكريم وذات الأديم الذي وضعت عليه رجله الشريفة.. لذلك كان الإمام مالك (رضي الله عنه وأرضاه) لا ينتعل حذاء) وهو في المدينة المنورة، وقد روي سيرته رضي الله عنه أنه كان (حافياً) وقد سئل ذات مرة عن ذلك فقال كيف ارتدي حذاء في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا فقط أتأدب في حضرته .
< جئنا إلى (المدينة المنورة) ترفنا بشرى زيارته (صلى الله عليه وسلم).. ويحملنا أمل أن نكون تحت لوائه يوم يقوم الناس لرب العالمين. ونعلم أننا لسنا كالإمام (مالك) نتسامى فوق مقام الأدب في حضرة صاحب المقام المحمود.
< أهل يثرب أصحاب (رحمة) بادية بترحاب وجوههم، يتخلقون بمكارم الأخلاق، كيف لا؟ وقد نشأووا في كنف نبي (الرحمة) الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق ..
< لم أجد بين كل شعوب الأرض من يحب إكرام الضيف كما يفعل أهل المدينة المنورة..فالجود عندهم (صفة) باقية و(خليقة) دائمة.. وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الأولين والآخرين وأكثرهم عطاء،فقد كان عليه صلوات الله وسلامه أجود من الريح (المرسلة) ويزيد من ذلك في رمضان. كيف لا ورسول الله كان اليتيم كافل الأيتام.
< كرم أهل المدينة بادٍ في وجوههم، وبادٍ في الطرقات، حيث يقابلونك هاشين باشين وهم يقيمون الموائد.. لا تجد طريقاً وأنت قادم إلى الحرم النبوي إلا وتجدها قد سدت بالموائد المفتوحة للصائمين من كل جنس..حتى انك لا تجد فرصة لتبلغ الحرم.
< أيضاً لاحظنا جهود المملكة العربية السعودية وحكومة خادم الحرمين الشريفين بادية للعيان في تنظيم هذه الجموع الكبيرة وتوجيههم، والوقوف على راحتهم نهاراً، والسهر في خدمتهم ليلاً.
< وبدت هذه الجهود ظاهرة وواضحة لكل من زار تلك البقاع الطاهرة بالتوسعة الكبيرة التي طالت(الحرم النبوي) وإستقباله يومياً لمئات الآلاف من المسلمين، بل (الملايين) الذين يتوقون لزيارة الحبيب المصطفى خير من وطئت قدماه الارض.
< جهود لا تقدر بثمن بذلتها حكومة خادم الحرمين الشريفين في خدمة ضيوف الرحمن والوقوف على إحتياجاتهم في السكن والأمن والغذاء وأسباب الراحة
< راودتني تلك الذكريات الانيسة إلى الروح ونحن نتنفس ذكرى مولده (ص) الذي كان (سراجاً وقمراً منيراً).
يقول الشاعر الفطحل محمد المهدي المجذوب اعظم من مدح رسول الله في ذكرى هذه الأيام: يقول:
ربّ ارسلت يتيماً
قام بالحق رحيماً
قد ذكرناه فهل نذكر من أمسى عديماً..
– ذكرناه-
وقد عصف البؤس بأطفال صغار
وردوا المولد بالشوق وعادوا بالغبار
ويح أم حسبوها، لو أرادوا النجم جاءت بالدراري
ويحها تحمل سهد الليل في صحو النهار.
ودمتم.