شر البلية ما يضحك ..

احياناً الوجوم اكبر من ملاحقة الصبر فالتأكيد على أن الأجواء الخانقة تجعل كل الطرقات تقود إلى روما الفراغ هو ضرورة حتمية يفرضها الواقع وحتى (لا تجهجهكم) الحيرى أقول مكتوب على الإيميل لفنان صنع صوته في الحمام الكلمات تقول:
لاقيتو في الفيس بوك
كبسولة فرح مسبوك
في «الويب» الشوق مدفوق
راكب جناح تُكتُك
فرمطت قلبي حنان
كنصلت فيروسات بالآنتي والتومهوك
شايل شبابي رتوش
ذي بيتزا فيها سجوك
حقيقة لم أتمالك من الضحك فشر البلية ما يضحك .. والغريبة أن هذه الطقطوقة اكتملت ترتيباتها بلحن (مستلف) من القطط اللبنانية (الفوركاتش)
الأمر سادتي أكبر من أهزوجة اخترقت البريد، فالثقافة المسلوخة أضحت مثل قشرة باهتة الملامح .. وفكرت ساعتها أن أطالب وزير الثقافة بمصادرة كل الكمبيوترات وقطع سلك النت من دابره لولا خوفي على أصحاب الدراسات الجادة .. لا أدري كيف يفكر الشباب الآن .. ولكن يبدو البون شاسعاً بين جيل غرق في أتون أمهات الكتب وبين جيل أدمن البحلقة في صفاء الشاشات الوسيمة.
جيل لم يدرك أن المتنبي امتطى الرصانة والتميز مع الخيل والليل والبيداء والقرطاس والقلم وبرع حتى في هواجس المدح للأمراء والسلاطين.. جيل لم يحس بنزعة الود الشفيف في كتابات المازني .. ولا رسائل مي زيادة التي تغرق العاطفة في تفاصيل الصمت النبيل.
جيل لم يقرأ عبقريات العقاد ويفتقد قداسة المدلول في النصوص الغارقة في الفكر .. جيل لم تشده لواعج ابن زيدون وهو يبثها لولادة بنت المستكفي وهي تختال في غنج ودلال .. ولم يعرف أن اشبيلية قطعة ماسية زرف فيها العرب أدمع مغسولة بالوهج وهي تتسلل من وجدانهم خلسة صوب الفرنجة. جيل لم يدرك أن عزلة ماركيز كانت لحتمية الفصل بين الرغبة والجرح بين الروح والمادية.. ولم تلاحظ أعينه المغطاة بالزجاج أن أسكار وايلد وهمنجواي ولافونتين ودي موسيه وبول سارتر .. وهيجل .. وكانت وباخ .. كانوا يطرحون أنفاسهم وانفعالاتهم في لمسات سحرية (تخربش) المشاعر بدغدغة الفن.
ولم يعرفوا أن شكسبير رسم مسرحياته على التخوم العربية فبدت كيلو باترا مجرد حسناء تغتسل بالروعة والبهاء في بلاط الجلالة قبل أن تغطيها المعايير والاعراف بثوب فضفاض .. وأن عطيل .. وهاملت كانتا أدوات للفجيعة .. حتى يكون للغفران مساحة.
إنهم جيل الفيس بوك .. يبدو متوتر مضطرب يكابد في سبيل أن تظل الرومانسية مثل خضراء الدمن .. هش التكوين يكتفي بالقشرة البراقة وهو على عجلة من أمره.
قمة المأساة أن تسقط أولوياتنا في طرح ساذج لا يعبر عن قيمة فكرة حقيقية.
أغنية الفيس بوك مازالت تحشرج في مسامعي وقلبت ظهر المجن لدواخلي.