بين الإتفاقيات الدولية والقوانين الوطنية .. حرق الفساد في كرسي النيلين الساخن

عبد الله مكي
نعم: الفساد ظاهرة عالمية!! هكذا يتحدث الخبراء والسياسيون، ومنذ أن وضع البنك الدولي تعريفاً للانشطة التي تندرج تحت تعريف الفساد على النحو التالي:» إساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص، فالفساد يحدث عادة عندما يقوم موظف بقبول أو طلب أو ابتزاز رشوة لتسهيل عقد أو إجراء طرح لمناقصة عامة، كما يتم عندما يقوم وكلاء أو وسطاء لشركات أو أعمال خاصة بتقديم رشاوى للاستفادة من سياسات أو إجراءات عامة للتغلب على منافسين وتحقيق أرباح خارج إطار القوانين المرعية كما يمكن للفساد أن يحدث عن طريق استغلال الوظيفة العامة من دون اللجوء إلى الرشوة وذلك بتعيين الأقارب وغير ذلك «، لذلك ظلت الدول – وما زالت – ومنظمات المجتمع المدني والأفراد يعملون على محاربة الفساد.

خارج النص:

التعريف المختصر للفساد حسب البنك الدولي نفسه: (هو إساءة إستعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص، وسرقة أموال الدولة وتحقيق أرباح خارج إطار القوانين المرعية) هذا الأمر برمته كذلك يُسميه صندوق النقد الدولي: (علاقة الأيدي الطويلة المعتمدة إلى استنتاج الفوائد من هذا السلوك لشخص واحد، أو لمجموعة ذات علاقة من الأفراد، ويحقق منفعة لفئة معينة من دون باقي أفراد المجتمع).

ونسبة لانتشار ظاهرة الفساد في الآونة الأخيرة، فقد حُظيت باهتمام الباحثين في مختلف المجالات كالاقتصاد والقانون وعلم السياسة والاجتماع، والصحافة ووسائل الإعلام و المنظمات العالمية،وأصبحت الدراسات والأبحاث التي تقوم بها الجامعات من أهم الوسائل للتعريف بالظاهرة ومدى خطورتها وانتشارها، على هذا المنحى أقام (كرسي النيلين لحكم القانون ومكافحة الفساد) بجامعة النيلين بالسودان ورشة بعنوان:» قانون الشفافية والإستقامة ومكافحة الفساد السوداني «. هذا العنوان نفسه أثار عدداً من الملاحظات، أهمها هي التي قدمتها دكتورة هويدا صلاح الدين العتباني من كلية تنمية المجتمع بجامعة النيلين، حيث قالت ليس هناك شيئ اسمه (الفساد السوداني) ولكن يُمكن أن نقول:» الفساد في السودان «، وكذلك انتقدت احتكار الرجال لكل أعمال الورشة، وعدم ظهور النساء، بالرغم من وجود عدد كفئ منهن في هذه المجالات. هويدا العتباني قالت: ليست المشكلة  في وعي المواطن، ولكن المشكلة تكمن في غياب القدوة، وأكّدت أنّ الحصانة من أكبر العوائق في تطبيق القانون.

الشفافية والفساد:

وأيضا من الأوراق المهمة في هذه الورشة: (أضواء على قانون الشفافية والإستقامة ومكافحة الفساد)، فالشفافية :هي نقيض الغموض أو السرية في العمل السياسي، وتعني توفير المعلومات الكاملة عن الأنشطة العامة للصحافة والرأي العام، والمواطنين الراغبين في الإطلاع على أعمال الحكومة وما يتعلق بها من جوانب إيجابية أو سلبية على حد سواء من دون إخفاء أو تستر. فيصبح على الحكومة أن تُعلن عن مشاريعها وخططها في التخطيط والتنفيذ، ولم يكن مصطلح الشفافية وما له من دلالات لغوية حديثة معروفاً أو متداولاً، إلا حديثا مع تأسيس منظمة « الشفافية الدولية « عند بداية تسعينيات القرن الماضي، وذلك عندما أسس الألماني (Peter Eigen) مع تسعة آخرين من خمس دول مختلفة هذه المنظمة، والتي تهدف إلى محاربة الفساد الإداري والمالي، والذي كان السيد (ايجن) ملماً بالكثير من تفاصيلها بحكم طبيعة عمله في البنك الدولي. فالشفافية هي ظاهرة تقاسم المعلومات والتصرف بطريقة مكشوفة، وهي تضع سلسلة واسعة من المعلومات في متناول الجميع، وتعنى أيضاً بتوفر إجراءات واضحة لكيفية صنع القرار على الصعيد العام. فالشفافية تعني فتح تام لقنوات الاتصال بين أصحاب المصلحة والمسؤولين، وهي أداة هامة جداً لمحاربة الفساد الإداري. وأهم متطلبات الشفافية الكشف عن مختلف القواعد والأنظمة والتعليمات والإجراءات والآليات المعتمدة. وتعتبر هذه أول خطوة على درب فتح المجال للإقرار عملياً بالمحاسبة في حالة عدم احترام تلك القواعد والأنظمة. إذاً فالشفافية هي الأسلوب العلمي لمكافحة الفساد وهي آلية عمل مفيدة للكشف عن الفساد وتعيين مواقعه وبيان أماكنه.

الباحث صلاح زرنوقة عرفها:” بأنها آلية الكشف عن الفساد بأن يكون الإعلام والإعلان من جانب الدولة عن أنشطتها كافة في التخطيط والتنفيذ “ ، أما فيتو تانزي فقد فسر الشفافية:” على أنها التمييز بوضوح بين القطاع الحكومي وباقي القطاعات، وبموجبها تحدد الأدوار السياسية والإدارية داخل الحكومة، وأن يتم بوضوح وفق آلية يطلع عليها الجمهور وتحديد توزيع المسؤوليات بين مختلف مستويات الحكومة، وكذلك توزيعها بين كل من السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية “. وتهدف الشفافية إلى تمكين الشعب من معرفة السياسة العامة والمشاركة فيها، والمشاركة في صنع القرار، وإعمال مبدأ فصل السلطات.

ظاهرة إجرامية:

البروفيسور بركات موسى الحواتي انتقد عدم تفعيل القوانين منذ الإستقلال، وشنّ هجوماً كاسحاً على (قانون التحلل). وامتد الحديث عن أخطر أنواع الفساد وهو الفساد الإداري كما يقول الأستاذ المحامي محمد عبد الله ود دبوكة، ويرى أنه لابد من مراعاة النزاهة والكفاءة في اختيار الناس للوظيفة العامة،»والفساد أصبح ظاهرة إجرامية ويُشكل خطراً على الإستقرار والأمن وتقويضاً لقيم الديمقراطية والأخلاقيات» بهذه العبارات القوية بدأ البروفيسور بخاري الجعلي تعقيبه على ورقة: (الإتفاقيات الإقليمية والدولية في مكافحة الفساد) وكذلك يُهدد التنمية الإقتصادية والسياسية – على حسب قول الجعلي – أما أهم مشكلة يراها فهي التصاديق على الإتفاقيات الدولية، وحتى لو تم التصديق ويواصل الحديث:» أنه بالرغم من تقارير المراجع العام، لكننا لسنا ملمين بحجم ومستويات الفساد من حيث الكمية والنوعية، وختم حديثه بالقول: إنّ أهم أركان الإتفاقيات الدولية هي: الشفافية والنزاهة والمحاسبة.

وللإعلام دور كبير في كشف الفساد وإلقاء الضوء عليه وكذلك عملية الرقابة والرأي العام – الذي يخافه المفسدون أكثر من القوانين –  وهذا ما ركّزت عليه ورقة (الإعلام ودوره فيي مكافحة الفساد) للبروفيسور علي شمو. لكن الأستاذ ضياء الدين بلال رئيس تحرير صحيفة السوداني وضع النقاط على الحروف، حيث أشار لقضايا أساسية تمثلت في أنّ للفساد جذر إجتماعي وثقافي في مجتمعاتنا، بالإضافة لقضية (تسييس قضية الفساد نفسها) ، وركّز أنّ الصحافة لها دورها في تسليط الضوء على مواطن الفساد للفت إنتباه الجهات المعنية، وضرب أمثلة لقضايا كان للصحافة الدور في كشفها وتسليم بداية الخيوط لكامل شبكاتها إلى الرأي العام ومن ثم الأجهزة المختلفة مثل (قضية الأقطان وقضية مكتب الوالي) وغيرها.

وهناك دور تقوم به الأجهزة الرقابية في مكافحة الفساد ونموذج لذلك (المراجع العام)، وذكر د.محمد الحافظ نصر نائب المراجع العام أننا لسنا وحدنا في هذا المجال وذكر أنهم رفعوا (86) تقريراً هذا العام و(76) العام الماضي مقارنة بـ(12) في العام 2010م.

قضية قومية:

أما البروفيسور دفع الله الحاج يوسف فيقول: ليس الموضوع أرقام وحسابات، إنما سياسات وإدارة، وكذلك قال: لابد من متابعة الأداء لمحاربة الفساد، وتوفير المعلومات للأجهزة الرقابية مثل المجلس الوطني والمجالس التشريعية والصحافة والإعلام، وعند الحديث عن الفساد قال الحاج يوسف: هناك إنطباع وصورة ذهنية معينة تنصرف للشخصيات العامة، وينسى الناس بقية الفساد المستشري في المجتمع مثل غلاء الأسعار، ويُركز مولانا الحاج يوسف على اتساع مفهوم الفساد ليشمل جميع النواحي، وأنّ من أهم أسبابه ـ على حسب قوله – هي الفقر وعدم كفاية الدخل، وكذلك من الأسباب المعيقة لمحاربته هي تسييس قضية الفساد، وأيضاً ضعف منظومة القيم الأخلاقية والتي نستمدها من الدين وقيم المجتمع مثل الإيثار. ومن المظاهر التي أصبحت مألوفة هي (الدروس الخصوصية) وهذا يعني عجز المدرسة الحكومية عن أداء دورها المطلوب، وكذلك الجبايات التي لا يسندها قانون أو تفويض ، وأشاد بمحلية بحري والتي ألغت هذا الأمر.

وفي سبيل محاربة الفساد ذكر البروفيسور دفع الله الحاج يوسف تعبير(المواجهة الشاملة) ليكون تربوي وتعليمي وسياسي وقانوني وإعلامي، ووضع عدة مقترحات لذلك منها توسيع مفهوم الفساد وعدم حصره في الشخصيات العامة وعلاج الفساد لا يتم بالقانون فقط ولكن بزرع القيم والعودة لقيمنا والسياسات الإقتصادية الراشدة وأن يلعب الإعلام دوره المنوط  به،بجانب التوعية اي  أن تصير قضية الفساد قضية قومية وتتناولها (المساجد والمدارس ووسائل الإعلام).

نختشي ونسخر:

مولانا الأستاذ أحمد عبد الرحمن القيادي الإسلامي البارز قال: قضية الفساد هذه قضية عامة وعالمية، ففي السويد قامت آلية لمكافحة الفساد منذ العام 1809، وفي السودان قديم، لكن بيظهر حسب كمية الأموال المجودة في الدولة، وقال: قابلت الأستاذ الطيب صالح في لندن، ورداً على سؤاله من أين أتى هؤلاء؟ قلت له: جئنا منكم أنتم من صلب الشعب السوداني، وضرب عدداً من الأمثلة من الثقافة السودانية تؤكد عملية الفساد (اتدردر في مال الحكومة) و(دخلت عليه قروش الحكومة) وغيرها. وقال أحمد عبد الرحمن : إنّ الإعلام خطر جداً  فالمفترض الحكومة (تجري ورا الصحافة) لأنها تمتلك المعلومات وليس العكس، وذكر أنّ المشكلة الرئيسية هي في القوانين التي ورثناها من الإنجليز، وخاصة (القانون الإداري) فهو ضعيف جدا، وهذا الأمر مذكور في ثقافتنا الإسلامية في من يتولى الإمارات المختلفة وكذلك وزارة التفويض والتنفيذ، كما ذكر ذلك الإمام الماوردي في كتابه المشهور (الأحكام السلطانية)، لذلك أقول – والقول لأحمد عبد الرحمن – لو كُنّا جادين، نقوم بتقوية أجهزة الرقابة وذلك يالميزانية والكوادر، وحذرّ من أنّ الفساد مثل (شجرة المسكيت) إذا ضربت جذوره في الأرض فمكافحته صعبة.

إساءة للسلطة:

ثم جاء دور (الشفافية) فتقدم الأستاذ الطيب مختار رئيس منظمة الشفافية السودانية، وقال: باختصار الفساد هو إساءة استخدام السلطة، وهناك تقريران يكشفان حجم الفساد هما (CPI) وتقرير (NIS) نظام النزاهة الوطني،وفي العام 2015م  تم تصنيف السودان من الدول التي أحرزت تقدماً (12نقطة) من (11نقطة)، حيث هناك ثلاثة تصنيفات وهي دول أحرزت تقدما،دول لم تُحرز تقدماً،ودول نزلت.

وأوضح الأستاذ الطيب مختار أنّ الفساد عابر للقارات، وكانت خسارته العالمية قبل عامين (بليون و618 مليون دولار) وعلى مستوى الدول العربية (24 مليار دولار) وعلى مستوى السودان (400 مليون دولار)، وعندما تحدث عن القوانين قال: لا يوجد قانون لحماية المبلغين عن الفساد، كما قدم مقترحاً بأن يكون هناك رقابة على الأجهزة الرقابية نفسها. يبدو أنّ الفساد فعلاً هو قضية عامة وعالمية وقد انتشر في كل مكان، ولكن (كرسي النيلين) الساخن لحكم القانون ومكافحة الفساد، قد أوقد ناراً وقودها البحث العلمي والدراسات والقوانين وأجهزة التوعية المختلفة وعلى رأسها الصحافة والإعلام ، وذلك لإضاءة الطريق وتسليط الأضواء على مواطن الضعف والخلل والثغرات في القوانين والنظم والأجهزة المختلفة لمعرفة أوكار الفساد وبيوتاته ومواقعه لحرقها بنار لا تبقي ولا تذر.