بـ (دموع) قشر البرتقال!

 

# لم أجد نفسي (ذاهلاً) عن حمل قلمي الذي هو رفيقي لأيام وسنوات طوال؛ كما (ذهلت) اليوم؛ ووهنت معي دفقات (اليراع)؛ فقد وجم الجميع و(دمعت) العيون؛ وتزايد وجيب القلوب الكليمة؛ بفراق أخ عزيز وزميل صدوق هو المغفور له باذن الله عبد المنعم مختار.

# الذي كان رئيساً لقسم المنوعات والفنون بالصحيفة؛ ولم يكن (رئيساً) فأخلاقه ورقته أعلىمن أن تجعله يأمر محرريه أو ينهاهم؛ الفاجعة في رحيل عبد المنعم (المفاجئ) هو هذه الصدمة الأولى بالخبر الصاعق؛ فقد كان بيننا حتى إنقسام نهار الأمس وميلان الشمس الى غروبها.

# أكمل عبد المنعم كل أعماله واطمأن على صفحته بعد أن غابت الصحيفة ليوم أمس.. قال لي الزميل مزمل عابدين بكلمات (دامعة) وصوت خفيض أنه لاحظ في عبد المنعم هذا اليوم حالة لم يألفها؛ فقد كان شارد الذهن؛ ويطيل التأمل والسرحان.

# ولم أستفق من كلمات مزمل إلا بالخبر الفاجع بالرحيل المفاجئ للزميل عبد المنعم في حادث سير (أسيف) تعرض له بعد أن غادر الصحيفة وإطمأن على (كتبته على قشر البرتقال)؛ ذلك العمود الباذخ في عالم النقد الفني والمجتمعي الشفيف.

# نعم كان عبد المنعم (ساهماً) يترقب هذه اللحظة التي قد تكون إلتمعت له في ذاكرة الغيب؛ وكم من إشارات يعرفها اهل الفضل وذوي (الوصول) الذين تغيب معارفهم في ملكوت عليّ تتكشف لهم فيها الحجب؛ وينظرون الى مقاعدهم في جنة عرضها السموات والأرض.

# كان عبد المنعم من أولئك الذين لا تجد طريقاً لمخالفتهم؛ فقد كان مع الجميع وأخ الجميع وحبيب الكل؛ إنسان يمر بك كالنسمة (اللطيفة) فيحيل سموم الصيف الغائظ الى هواء عليل؛ وكلمات (وارفة) نقرأها كل يوم في عموده الذي يكتسب كل يوم فكرة جديدة وروح وثابة الى دنيا الإبداع.

# لم أجد أنبل من كلمات وساني فيها أستاذنا الكبير حسين خوجلي وهو يقول أن عبد المنعم كان أديباً كبيراً لا يكتب لمجرد فكرة العمود الصحفي إنما كان فكرة لكتاب ضخم بأفكار مجنحة.. وأزهى ما فيه كان تلك الروح والأخلاق التي يتحلى بها.

# إختطفته يد المنون ولا نقول إلا ما يرضي الله؛ وإنا لفراقك يا عبد المنعم لمحزونون.. ولا عيب أن تساقطت من المآقي حبيبات الدموع الثكالى؛ عبد المنعم كان نسيجاً وحده؛ لا تجده وهو عابس مطلقاً؛ وكانت ابتسامته الهادئة تسبقه الى حيث يلقاك.. لم يكن عبد المنعم من أهل الدنيا؛ ولم أرها بين أولوياته؛ هدوء عجيب يلفه وسكينة تغطيه؛ فهو دائماً غير جذع وغير ملتاع.

# صفاته تنبيك بأنه ليس من أهل الدنيا؛ وكثيراً ما كنت (أكاويه) كما نقول بلغتنا الدارجة؛ وأتعمد أن أسقطه في مواقف بعينها؛ وكان يتقبل (مكاواتي) بلغته الراقية وأسلوبه العجيب؛ ثم نفترق وقد سدت علينا الابتسامات الدروب.. أين لي يا عبد المنعم بعد اليوم تلك الابتسامة وذياك البريق؟ وعزائي أنك انتقلت الى رب كريم ذو فضل واسع.. اللهم أتاك عبد المنعم وأنت أعلم بهمنّا وأنت الكريم فأسبغ عليه من فضلك ما يدخله جنتك.. وألهم آله وأسرته الصغيرة.. وزملائه الصبر الجميل.. إنا لله وإنا اليه راجعون.