أطــفــال المــرحــاكـــة و الكـــســـرة الدراش ..! الجمــاهيــر..!!

< مما أصر عليه الشيخ الراحل مصطفى طيب الأسماء بأن نحفظه تحت حجة أن النكتة الفصيحة أذكى وأبقى من العامية قصة أبو عمر الجرحي الذي كان جالساً في مجلس الأصعمي  فقال: أنا أعلم الناس بالنحو فنظر إليه الأصعمي شذراً وسكت عنه ساعة ثم قال له: يا أبا عمر كيف تنشد:

قد كن يكنن الوجوه تسترا

فالآن حين بدين للنطّار

كيف تقول: بدين أو بدأن؟ قال أبو عمر: بدأن . فقال له الأصعمي مبتسماً وساخراً: يا أبا عمر، أنت أعلم الناس بالنحو وإنما هو «بَدَوْن» لأنه من بدا يبدو أي ظهرن..

وكان أبو الروس من عبيد الشعر يضحك ويقول قد هزرتني يا شيخ مصطفى حتى ضحكت بالفصيح.

وقد سمعت منه عليه الرحمة إنشاد الشعر على طريقة العباسي وقد كان ينشد من غريب شعر المتنبي:

لأي صروف الدهر فيه نعاتب

وأي رزاياه بوترٍ نطالب

مضى من فقدنا صبرنا عند فقده

وقد كان يعطي الصبر والصبر عازب

يزور الأعادي في سماءٍ عجاجة

أسنته في جانبيها الكواكب

فتسفر عنه والسيوف كأنما

مضاربها مما أنفللن ضرائب

طلعن شموساً والغمود مشارق

لهن وهامات الرجال مغارب

<<

< قلت له إن أبو صلاح «النجار» كان يربط القافية بخمسة أحرف ومثال ذلك:

لو لاقيتي يا دادة الضمير و«فتيله»

بالنار المولعة في الضمير «أفتيله»

قوليله العشوق الروحة أتلفتيله

بي عدل أو ظلومه قضيته «أتلفتيله»

الفتيلة الأولى من الفتلة «أي مبرومة الحشا»

والثانية من الفتوى

والثالثة من التلف

أما الرابعة فمن الالتفات

أبدى الصديق تعجبه لمقدرة أبو صلاح وأضاف قائلاً لكن نجارين الأيام دي ما بعرفوا إلا الفتل والفول والفلس والفتة!!

<<

< كان الكُتاب السودانيون يردون على الكتاب المصريين وكان المصريون يفعلون مثل ذلك حتى جاء زمان أصبح فيه السودانيون لا يردون حتى على بني جلدتهم دعك من أبناء شمال الوادي وقد أعجبني رد مولانا الشاعر المجيد حسيب علي حسيب على أبيات الشاعر المصري الفاخر الموهبة إسماعيل صبري في النصح بأن لا يتزوج الرجل بامرأتين وهما:

يا من تزوج باثنتين ألا أتئد

أوقعت نفسك ظلماً في الهاوية

مالعدل بين الضرتين بممكن

لو كنت تعدل ما أخذت الثانية

فكانت معارضته اللطيفة بالبيتين:

يا من تزوج باثنتين لحاجة

أحسنت لست بواقع في الهاوية

العدل بين الضرتين ميسر

لذوي العقول فلا تضق بالثانية

<<

< كان الراحل علي المك معجباً بأشعار «شللي» الأكسفوردي الفنان المطرود منها بتهمة التمرد على الكنيسة والالحاد.. وكان معجباً بقصيدته الصغيرة «أغنية» كان يرددها بالإنجليزية ويترجمها بصوته العميق:

«جلست أنثى الطير تبكي وليفها

فوق غصن عارٍ في فصل الشتاء

زحفت فوقها الرياح المتجمدة

وزحف تحتها الجدول المتجمد

ما من ورقة في الغابة الجرداء

ولا زهرة فوق الأرض

والجو يكاد يكون تام السكون

إلا من صوت الطاحونة

ويستطرد ساخراً:

(الطاحونة دي يا عرب يا أشعر عندها رزم عجيب بنقر في أعصابنا من نحن أطفال أيوه نحن أولاد أمدرمان مش زيكم يا أطفال المرحاكة «والكسرة الدراش») ويضحك ساخراً ضحكته العجيبة تلك: «أوعو تصدقوا أنو الفساد الإداري مسألة ضوابط، دي أزمة ثقافة .. الناس ديل ما بقروا عشان كده بفكروا في البيوت والأرصدة والصقايع، الجهالة بتجلب الغلظة والتكديس.. الكتاب والأسطوانة والسينما ما غالية عشان كده المثقف مهما كان مضطرب أخلاقياً فهو نظيف لأنه زاهد.. وانتو مش عارفين أنو الفن هو تحويل الخسيس إلى نفيس ولا الكيزان وحدهم هم القايلين البعرفوا الإمام الزمخشري.. ما تقولوا لي دا الجابو شنو أنا ما عارف الشي بالشي بيذكر والشي دا لازم إتقال مانحن حتى المقطّع في الحشا عارفنو.. بالمناسبة أنا لما حققت ديوان الخليل استوقفني دوبيت الأفندي الرطاني دا ولخبط كيان معارفي في الأدب الشعبي رأساً على عقب أتخيلوا دا قال شنو:

حسنك ما تغير وما بشوفله مثال

في حدك هدر دم المولّه وسال

الواشي الرقيب للشر يكون مثّال

ونحن يزيد صفانا للعقد عسّال

أم حسناً بديع ما خلا لينا مجال

دام محياً بدر رقة وكمال ودلال

وبي أحجالها ما برزت من الأحجال

وبين طيات ضميرها مكامن الآجال

«بالله في رقة أكثر من كده ووضوح، ما هو أصلو الجمال يا ود المهدي لا داير إباحة ولا داير براقع.. السماحة دايرة ملمح!!

والملمح مدخل للكشف والترميز وينفجر ضاحكاً: شوفن مدحتين كيف؟ تقول الأولاد فاهمين حاجة!!» رحم الله الراحل علي المك فهو لم يكن يؤانس ولم يكن يحاضر ولكنه كان يقدم روحه للناس!!

<<

< ما زلت مصراً على أن يخرج الكابلي مصنفاً مسجلاً عن لطائفه وغرائبه في الغناء ما نسيه وما تناساه ففيه الكثير من الإنسانيات والإخوانيات وله أغنية منسية كتبت في لندن حول وفاء زينب ونجم الدين فتى السفارة المريض الذي ارتحل بداء الرئة، كتبتها للمرة الثانية من أجل الوفاء ومن أجل العزاء ومن أجل الكابلي الذي أتى في فجر البوح والغناء والنشيد السوداني لأنه كان أمراً مقضياً وكان البعض من ثمرات الأقدار العابرة والمقطع العجيب يقول:

داير في يوم أكتب أكتب لي غنيوة

عن أحلى مغني جميل ساطع إضوي الليل

عن واحدة في الإخلاص

ووحيد في درب الناس

أدو الأمل إحساس

خلو الحياة حليوة

داير أقول فيهم أجمل كلام مكتوب

داير أقول ليهم عاش ليك زول حبوب

فات في الصبر أيوب

لكنو عاش لينا ما أصلوا متعدد

ما أصلو متجدد

زي الأمل فينا

داير في يوم أكتب أكتب لي غنيوه

غنيوة في اتنين مليانه ريد وفرح

زي العديل والزين

مقطع يقول زينب والتاني نجم الدين..

يا سلام يا كابلي على ناس الستينات والسبعينات ويا سلام على القمر والسمر ويا زهور سهرتينا وحظ كل واحد منا في الفهم والفتوى والقسمة!!