أرض يباب وقلب مترع بالازاهير

(1)
٭ كان الطفل يقول لأنداده إن أبي كان يحرص على أن أحفظ قول الحكيم:
إذا أراد الله بعبد خيراً:
1- ألهمه الطاعة.
2- وألزمه القناعة.
3- وفقهه في الدين.
4- وعضده باليقين.
5- فاكتفى بالكفاف.
6- واكتسى بالعفاف.
وإذا أراد به شراً:
1- حبّب إليه المال.
2- وبسط منه الآمال.
3- وشغله بدنياه.
4- ووكله إلى هواه فركب الفساد فظلم العباد.
وأكملها لهم وهو رجل: «والله قد صدقت في تنمية المال وجمعه فأربى وزاد.. ولكنني والله لم أجده يوماً في قلبي» لأن ربي وأبي وقول الحكيم لم يفارقاني.
(2)
٭ ومن صادق الشعر والحكمة والحكاية.. خرج فتى في طلب الرزق، فبينما هو يمشي فأعيا فآوى إلى خراب يستريح فيه.. فبينما هو يدير بصره إذ وقعت عيناه على أسطر مكتوبة على حائط فتأملها فاذا هي:
إني رأيتك قاعداً مستقبلي
فعلمت أنك للهموم قرين
هوّن عليك وكن بربك واثقاً
فأخو التوكل شأنه التهوين
طرح الأذى عن نفسه في رزقه
لما تيقن أنه مضمون
قال: فرجع الفتى الى بيته ولزم العمل والتوكل، وظل يدعو اللهم أدبنا أنت لا عبادك.
«3»
٭ كان الشوق والهيام بالحبيب سبب دوام الإلفة والزواج قديماً.. واليوم برودة الشوق والتلهي عن الحبيب سبب إعلانات الطلاق التي ملأت الصحف.. وهؤلاء قطعاً لم تتوافر لهم رائعة:
حبيب الروح الى ما
تعود يا نور عيوني
ويعود للعين مناما
يا الخاتي اعلاما
وفي اسمك سلاما
ميم محيك مضيئة
ونون خدك علامة
أبعث ليك تحية وارفع ليك ظلامة
يا سيد روحي مالك وفيم الصد علاما؟
يا العالي وتسامى
يا الطفل المدلل موصوف بالوسامة
اشرح ليك حالي وآلامي الجساما
وعاديات الليالي شاهرة على حسامه
هل يا روحي أحظى بنظرة وابتسامة
يا القسمونا قسمة
وماراعوا انقساما!!
«4»
٭ في صالون الاستاذ الراحل فراج الطيب استوقفني الكثيرون وعرفت الكثيرين وبعض اصحاب المواهب يستوقفك بموقف وبقول أو بمجرد ايماءة ودودة هنالك قابلت شاعرنا مهدي محمد سعيد أمد الله في عمره وشعره.
وقد طلب منه المجلس السماح أن يقرأ قصيدة فحيا أولاً «أبو تمام» الذي أوحى له بابتدار قصيدته الجديدة وقرأ علينا من إشراقات «أبو تمام»
من لي بإنسان اذا أغضبته
وجهلت كان الحلم رد جوابه
واذا صبوت الى المرام شربت من
أخلاقه وسكرت من آدابه
وتراه يصغى للحديث بطرفه
وبقلبه ولعله أدرى به
أستاذنا مهدي ان هذه المهنة اللئيمة قد حرمتنا من نعماء التلاقي ولكنك يا أخي مهدي «والله ما زلت في القلب» وحين يعز المزار نقرأ «الطين والجوهر» ونسمع لحد الانبهار .. جميل ما سألناه .. وأخريات.
(5)
كان جدنا الشريف علي محمد المهدي الحافظ الاديب النسابة عليه الرحمة كثير التسويق والاشاعة العصماء لهذا الحديث «روي أن جبريل عليه السلام قال: يا محمد لو كانت عبادتنا لله تعالى على وجه الأرض لعملنا ثلاث خصال:
1 – سقي الماء للمسلمين
2 – وإعانة أصحاب العيال
3 – وستر الذنوب على المسلمين إذا أذنبوا.
عزيزي القارئ من لي بحزب مثل هذا انتمي إليه وادعو الآخرين؟
(6)
كان بيكاسو في بداية أي معرض جدير بالمشاهدة، يقول بين يدي اللوحات للخلص من الزائرين: الوقوف امام أي معرض تشكيلي ينبغي الوقوف فيه كما انكم في حضرة امير.. ويحب ان تبدأوا بفضيلة الاحتمال والصبر والتأمل، فاذا لم تراعوا ذلك، فإنكم تنتهون الى نقطة سماع اصواتكم ذاتها، فاذا كان ذلك مندوباً عند الإخوة التشكيليين، فإنه واجب عند أهل السياسة.. الذين اصبحوا في هذا الزمان لا يجيدون الصبر ولا الاحتمال ولا التأمل.. واخطر من هذا انهم ايضاً لا يستطيعون بل لا يعرفون موهبة الوقوف امام الامير.
(7)
قلت له ما هي الكلمات التي يمكن ان تقولها في حق زوجتك بعد كل هذه السنوات والتجارب.. صمت للحظات وقال: هي امرأة فاضلة لأنها تأمرني وتطيعني..!!
(8)
وأخيراً.. ما أعذب التيجاني يوسف بشير وهو دون العشرين يكتب بيانه الأول وأنى له:
أيها الشعب ليتني كنت حطّاباً
وأهوي على الجذوع بفأس
ليتني كنت كالسيول إذا سالت
تهد القبور: رمساً برمس
ليتني كنت كالرياح فأطوي
كل ما يخنق الزهور بنحس
ليتني كنت كالشتاء أغشى
كل ما أذبل الخريف بغرسي
ليت لي قوة العواصف يا شعبي
فألقي إليك ثورة نفسي
(9)
أنت تكون مثقفاً فهذا بعض شئ، وأنت تكون مفكراً فهذا شئ وأنت تكون فقيهاً فهذا ايضاً شئ واضافة، وأنت تكون صحافياً فهذا كل الأشياء لأنك مضطر بالحب كله أن تكتب للناس حواراً وحكايا ووصايا وتحليلاً ونبضاً باقتدار يوماتي. الذين يكتبون بما تتفق معهم عليه والذين يكتبون بما تختلف معهم عليه، هؤلاء هم الناس أما البقية فهم من حزب الصامتين أو باختصار هم «الآخرون» والآخرون هم الجحيم.
(10)
{ حاسر الرأس عند كل جمال
مستشف من كل شيء جمالا
خلقت طينة الأسى
وغشتها نار وجد
فأصبحت صلصالا
ثم صاح القضاء كوني فكانت
طينة البؤس شاعراً مثالا
وما ان تنقضي بالفصيح حتى ينشد جماع ايضاً والحلفايا في جلسة استماع رصينة:
قوم يا ملاك والدنيا ليل
نتناجى في الشاطي الجميل
والليل نهار العاشقين
وظل جماع حاسر الرأس من السعادة وحاسر الصدر من الحبيب.. انها صوفية السودانيين التجريدية.. ارض يباب وقلب مترع بالازاهير.. يا نقاد الغفلة والانتباهة إن جماع لم يكتب عنه بعد!!