سياسات مالية جديدة.. أم ازالة (تشوهات)؟!

< لا مجال مطلقاً لتناول موضوعات سياسية هذه الأيام غير موضوع (الاقتصاد) الرئيسي وهو السياسات المالية الجديدة المعلنة منذ الخميس الماضي؛ ولابد من بحث أوجهها وأثرها على المدى القريب والبعيد والمتوسط؛ وهنا نعني بالتحديد تداعيات على حياة الناس ومعاشهم.
< أن يظل الاقتصاد الوطني مريضاً لا يرواح (غرفة الانعاش) ليس بالحل.. لأن المريض أياً كان (حسسه) اذا لم يخرج من (العناية الكثيفة) سيظل يتلقى في (المنقذات) عن طريق الأجهزة المساعدة على الحياة؛ الى أن تصعد روحه الى بارئها.
< وأن يخرج المريض من العناية الكثيفة هو الخيار (الأوفق)؛ لكن كيف يتم ذلك؛ أهو عن طريق إزالة (الجسم الخبيث)؛ وبتره من الجسم السليم؛ أم بتعاطي دواء فعّالاً؛ قطعاً أن هذا كله يتم بحسب رؤية الفريق المعالج؛ الذي قد يرى (البتر)؛ وقد يرى غيره.
< وفي حالة أقتصادنا الماثلة؛ تكاد الأوصاف تنطبق على مثال مريضنا هذا؛ واذا أردنا العلاج الفعّال لابد من إتباع رؤية (الفريق المعالج)؛ اذا كان بتراً فبتر واذا كان غيره يتم بأسرع فرصة ممكنة؛ لأن المريض لن يبقى بـ (العناية الكثيفة) الى مالا نهاية؛ فهو قد يبقى لحين الممات.
< والسؤال الذي يطرح نفسه ماهي العلة التي يعاني منها الاقتصاد السوداني؛ أو بالأحرى ماهي مجموعة العلل التي يعاني منها؛ وهي كثيرة لا يمكن حصرها في مساحة العمود.. لكن ممكن أن نشملها في جملة واحدة مفادها (أن اقتصادنا الوطني يعاين من جملة من التشوهات).
< هذه (التشوهات) لابد للطاقم العامل في كابينة الاقتصاد أن يعمل على ازالتها؛ وقد بدأت حملة ازالة التشوهات عن جسد الاقتصاد السوداني منذ القرارات الشهيرة لوزير المالية برفع (حزمة الدعم الأولى) في سبتمبر 2013م.. وتبعها بعد ذلك بقرارات فك إحتكار القمح عن عدد محدود من المستفيدين؛ ثم آخر قرار لوزارة المالية وهو إدخال نظام (الأورنيك الألكتروني) لتجاوز مشاكل (التجنيب)؛ وحلحلة بعض المشاكل الادارية مثل الرواتب (الوهمية)؛ التي لن تنكشف سوءاتها إلا بعد تطبيق النظام الإلكتروني والحوسبة الشاملة لأعمال الدولة.
< ما أعلن ليل الخميس الماضي من سياسات مالية جديدة؛ يراها المواطن أنها مسته في (معاشه)؛ من خلال تأثير الزيادة في المحروقات على كل منظومة الأسعار؛ لكن الناظر المتأمل من العارفين بخبايا زوايا الاقتصاد يفسرون ماتم بأنه (إزالة للتشوهات) والبثور التي لحقت بوجه الاقتصاد السوداني.
< وأول هذه (التشوهات)؛ إزالة المفارقات في سعر الصرف بين السعر الرسمي والسوق السوداء (الموازية)؛ وفي إزالة هذا التشوه كثير من الفوائد على اقتصاد السودان.. فهو الى جانب أنه يوفر عامل جذب للعملات الأجنبية من مختلف مظان وجودها؛ فإنه يحارب كثير من التشوهات في الممارسات السلوكية لبعض شؤون الاقتصاد مثل التهريب الى دول الجوار.
< كثير من السلع التي كانت تدعمها الحكومة السودانية عبر فوراق (سعر الصرف) تنشط في تهريبها بعض الجماعات المعروفة بهذا النشاط؛ ليس لغرض إنها تحارب الحكومة أو الشعب في سلعه الأساسية؛ ولكن بدافع تحقيق الأرباح المجزية والسريعة.
< وذات الذي ينسحب على سعر الصرف وتوحيده؛ يمكن اسقاطه على (السلع المدعومة) التي تحظى بأفضلية كبيرة في النشاط التهريبي الى الخارج.. سيعاني المواطن العادي من هذه الإجراءات على مداها القريب؛ لكنها بلا شك تعود بمصلحة اقتصادية كبيرة في المدى البعيد.