ارتفاع أسعار الدواء..المواطن.. بين مطرقة (الموت) وسندان (الغلاء) !

 مبارك ود السما
يشهد الحقل الصحي بأركانه المختلفة من أطباء وصيادلة حالة من الغليان، فالأطباء أعلنوا إضرابهم ونفذوه لنيل مطالبهم، لتستجيب السلطات إلي تلك المطالب بنسبة كبيرة أدت لفك الإضراب لينساب العمل في الدور الصحية.. لتنتقل ورقة الإضراب إلي الصيادلة لتدخل بعض الصيدليات في إضراب بشكل حيث قام أصحابها بإغلاق محلاتهم نسبة للزيادة الأخيرة التي طرأت على أسعار الأدوية عقب إعلان وزير المالية بدر الدين محمود عن تحرير أسعار الأدوية مطلع الشهر الجاري. الأمر الذي استنكره المواطن جملة وتفصيلا، الاستنكار قابله الصيادلة بإغلاق المحال التجارية (الصيدليات) بغرض الضغط على السلطات للرجوع عن قرارها. تحرير الأدوية بدأت أثاره مبكراً على المواطنين الذين صبوا جأم غضبهم على الحكومة التي أرهقت كاهل المواطن، الذي يحاصره غول ارتفاع الأسعار في كافة المجالات. الإغلاق نفذ أمس الأول في الخرطوم للعشرات من الصيدليات لثماني ساعات متواصلة احتجاجا على تحرير سعر الدواء الذي تسبب في مضاعفة أسعار الأدوية وارتفع بعضها بنسب كبيرة فاقت الـ300%. مما انعكست الزيادة على المواطنين لأنهم ليس في مقدورهم تحملها. 

في الوقت نفسه ارتفعت أصوات المواطنين محذرة من المستقبل على صحتهم، وقال المواطن محمد إبراهيم لـ(ألوان): إن قرار زيادة أسعار الدواء غير موفق وفيه خطر كبير على المواطنين لأنه سيقود في الأخر للموت، ووصف القرار بأنه الموت البطيء للمرضى خاصة الذين يتناولون أدوية لأمراض مزمنة من أسر ذوي الدخل المحدود، لافتاً إلي أن الإنسان يمكنه تحمل الجوع والتعليم وخلافه الا الصحة التي تعتبر خط احمر لا يمكن التهاون بها كارتفاع أسعار الأدوية. وتابع: على الحكومة التراجع الفوري على الزيادات وأن تدعم قطاع الأدوية بأي طريقة حتى لا يقع المواطنين في خط الخطر على حياتهم. مضيفاً: ولو أصرت الحكومة على موقفها فهذا يعني حكمها على المواطن بالموت.

الطبيبة الصيدلانية نهاد قالت لـ(ألوان): اعمل في صيدلية بحي مواطنوه من ذو الدخل المتوسط، مشيرة إلي أن الزيادة رفضت من قبل المواطنين بترك الدواء الذي يحتاجه الأمر الذي اثر على المبيعات بصورة كبيرة جدا. وأضافت: الزيادة التي حدثت غير منطقية لأنها فاقت الـ(300%) لبعض الأدوية كحد أعلى بينما فاقت الـ(100%) كحد ادني. مواصلة: عقب الزيادة لا يمكن التحكم في السوق، موضحة أن أصحاب الصيدليات باتوا في حيرة من أمرهم. وقالت على السلطات تدارك الموقف قبل استفحال الأوضاع التي تقود لموت المرضى في الأخر.

رئيس شعبة الصيدليات الخاصة د. نصر مرقص قال أن قرار زيادة سعر الصرف لشراء الأدوية جانبه الصواب تماما ويفتقد للحكمة. لافتاً إلي أن الحسابات الاقتصادية السليمة تقول أن كل ما يحتاجه المرضى في السودان البالغ عددهم أربعون مليون نسمة لا يتعد حاجتهم للعلاج من 300 إلي 400 مليون دولار في العام، المبلغ يغطي كافة العلاج الذي يحتاجه المواطنين كافة، وقال عندما يحدد سعر الصرف في السوق الموازي فان سعر الدواء تضاعف ثلاث أضعاف سعره الطبيعي. وأكد نصر أن المريض قبل إعلان الزيادة كان عاجز عن صرف الدواء. وتساءل كيف يمكن أن يشتري الدواء بعد أن زاد زيادة كبيرة. وأضاف: أن الزيادة ستقود إلي مأساة وطنية لا يجني منها سوى الندم والأسى، لان المريض إذا عجز عن شراء الدواء اليوم سينعكس عليه بعد أسبوع او عشرة أيام لفشله عن الحصول على الدواء سيأتي بحاله مرضية ولمراحل متأخرة قد تكلف ثلاث أضعاف المبلغ الأول. مضيفا: من حق الشعب السوداني أن يوفر له الدواء لا سيما وان المبلغ المطلوب ليس بالكبير في العام، وما حدث معيب ومشين في حقنا جميعا، وعلى الدولة أن تتراجع في قرارها. وأقول –الحديث لنصر- نحن كصيادلة وأطباء ضميرنا وقيمنا السودانية والإنسانية لا تسمح بقبول هذا القرار.

ألوان قامت بجولة عشوائية على الكثير من الصيدليات بوسط الخرطوم لمعرفة حقيقة الزيادات التي أعلنتها السلطات مؤخراً. فتوصلت إلي أن الزيادة فعلياً تم تنفيذها على ارض الواقع، وسط همهمات من المواطنين الذين ابدوا رفضهم وسخطتهم على الزيادات التي حدثت على أسعار الدواء. فالعاملين بالصيدليات التي وصلت إليها ألوان أبدوا أسفهم على جرى، الا أنهم قالوا نحن (عبد مأمور) ننفذ ما يوجهه إلينا أصحاب الصيدلية، الذين يحاسبونا على المبيعات يومياً، معلنين تعاطفهم مع المواطنين الا أنهم لا يملكون شي بأيديهم بحسب ما قالوا.

من عمداء الصيادلة في السودان الطبيب منصور اسحق قال أن الزيادات في الأدوية فاجأت المواطنين، لان المواطن لديه ما يكفيه من زيادات، مشيراً إلى أنها مست صحته ووجوده في الدنيا. وأضاف: أن الزيادات مساءلة معيبة وخطيرة للمواطن والصيدلاني. مبينا أن الحكومة يمكنها أن تطرق كافة أبواب الحياة وتزيدها عدا باب سعر الدواء الذي يعتبر حياة للمواطنين. وطالب منصور بالتراجع الفوري عن الزيادات غير الإنسانية والمقنعة، وعلى الحكومة دعم الدواء.

كشفت مصادر صيدلانية من داخل الصندوق القومي للإمدادات الطبية أن الإمدادات ستتأثر بهذه الزيادة خصوصا في حالة الشراء عبر الشيكات الآجلة حينها سيسدد الصندوق بسعر الدولار الجديد . كما أن أسعار الأدوية ترتفع بصورة كبيرة ويكون المتضرر الأكبر هو المواطن. أما الإمدادات سيكون رأس مالها علي المحك ما لم تتدخل وزارة المالية وتدعم الصندوق في رأس ماله الذي سيتأثر عقب هذه الزيادات وتساءل المصدر كيف يستطيع أن يشتري المواطن بخاخ الأزمة الذي كان يشتريه ب (170) ب (460) وكيف يستطيع المواطن شراء حقنة السعر التي كان يشتريها ب (65) أن يشتريها ب (175). وتابع: أن هذه الزيادات خرافية. في ذات الصعيد اتصلت ألوان على المدير العام للصندوق القومي للإمدادات الذي لم يستجيب على هاتفه.
رئيس اللجنة الطبية بالبرلمان صالح جمعة قال لـ(ألوان): لا يوجد منشور رسمي يفيد بزيادة أسعار الدواء، وأضاف: جميع الصيدليات اليوم تبيع أدويتها بالسعر القديم أي قبل الزيادات خاصة للأدوية المنقذة للحياة بجانب الأدوية العادية، مشيرا إلي أن الإمدادات الطبية لم تفيد بأي زيادة على أسعار الدواء، وقال إذا وجدت زيادات تكون بالقطاع الخاص للصيدليات التي لا تتوحد أسعارها قبل إعلان الزيادات الأخيرة فأسعارها متضاربة وكل صيدلية يختلف سعرها من صيدلية لأخرى. وأردف بالقول: لدينا محاولات مع رئاسة الجمهورية بإجراء ترتيبات لا يجاد مخرج لهذه القضية المهمة.

توقع خبير اقتصادي نشوب إشكالية في سوق الدواء لأن الدولة لا تمد الشركات بالدولار الرسمي، وبالتالي لا تستطيع تسعير الدواء. وقال أستاذ الاقتصاد بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا أ.د. عبد العظيم المهل لموقع الشروق تشهد الفترة القادمة إشكالية في سوق الدواء لأن الدولة لا تستطيع أن تحدد أسعار الدواء باعتبار أنها لا تمد الشركات المستوردة للدواء بالدولار بالسعر الرسمي وقال إن بعض شركات الدواء تتحصل على احتياجاتها من النقد الأجنبي من السوق الموازي (الحر) بسعر 18 والبعض الآخر بسعر 20 جنيهاً واليوم بسعر وغداً بسعر آخر نسبة لتذبذب سعر صرف الدولار نفسه. وأوضح أنه في ظل هذه المعطيات لا يمكن تحديد سعر معين للدواء، لافتاً إلى أن المواطن هو الجهة المتضررة في خاتمة المطاف.

عضو لجنة الإعلام بمبادرة شارع الحوادث المهتمة بأدوية الأطفال كمال معز قال لـ(ألوان): ما حدث في زيادة أسعار الدواء بكل تأكيد ستزيد من دائرة الأشخاص المتحاجين للمساعدة، لافتاً إلي أن العدد الذي تقوم المبادرة بتغطيته سيقل نسبة لزيادة الصرف على الحالات بعد ارتفاع الدواء ما لم يحدث تفاعل جديد من قبل المجتمع لتغطيتها. وقال الذين يشترون أدويتهم في السابق بعد الزيادة لا يقدرون شراءها بعد ارتفاع الأسعار. مضيفاً: نحن أمام مشكلة حقيقة فيما يلي توفير الدواء للحالات القديمة بالإضافة إلى للحالات التي يتوقع دخولهم للقائمة. منبها إلي أن المبادرة تقوم بتغطية أدوية الأطفال، الا أن هناك مرضى كبار السن يحتاجون إلي دعم، ولا بد من إيجاد حلول لهذه الفئة من المرضى باعتبارها حالات تحتاج إلي دعم.

رئيس اللجنة الاتحادية بحماية المستهلك حسين جبريل القوني قال لـ(ألوان): الزيادة كبيرة جداً تخطت الـ(300%) وأن هذه الزيادة لا تحتمل وسوف تؤثر على الجميع لا أحد لا يمرض، لا سيما لأصحاب الأمراض المزمنة ستكون قاصمة الظهر لهم. وواصل بالقول: الزيادة تعتبر زيادة كبيرة ستضاعف الضغوطات التي تمر بها الأسر، فالدواء لا يمكن التخلي عنه بعكس الطعام – الشرب – الترحيل – اللبس وخلافه، لان العلاج لا يمكن ترشيده او التوقف عنه، وإذا حدث ذلك سيقود لمضاعفات تؤدي للوفاة. وقال تمت الزيادة الكبيرة وأصبحت واقع أمام الجميع لذلك يجب تدارك الأمر. مبيناً أن حماية المستهلك لديها محاولات جادة مع السلطات لإعادة النظر فيما يخص الدواء، كاشفاً عن ألتئام اجتماعات مكثفة بين الصيادلة والجهات ذات الاختصاص لأدراك ما يمكن إدراكه. وقال حسين أن الدواء خدمه إنسانية قبل كل شي. منادياً السلطات بمراجعة القرار.