مستقبـــــل جماعــات «الإســـلام السياسي»

عبد الله مكي
نظَّم مركز الجزيرة للدراسات نهاية سبتمبر2016 ندوة بعنوان («التحولات في الحركات الإسلامية» بعد ستة أعوام على الربيع العربي) – والذي شكَّل مُنْعَطَفًا كاشفًا لتحوُّلات كثيرة في المشهد السياسي والنظام الإقليمي العربييْن، واختبارًا لكل التيارات الفكرية والسياسية وفي مقدمتها الحركات الإسلامية – بمشاركة نخبة من قيادات ورموز الحركات الإسلامية بمختلف تياراتها وعدد من الباحثين والخبراء في جماعات «الإسلام السياسي».

(23ورقة فكرية)أوضحت أنّ الحركات الإسلامية ليست نموذجًا واحدًا مُقَوْلَبًا، باعتبار السياقات السياسية والاجتماعية والتاريخية تُؤَثِّر في اختياراتها وتعاملها مع واقعها السياسي، وهو ما كشفه»العقل السياسي» لهذه الحركات في إدارته للمراحل المختلفة من»الثورة»إلى «الحركة المضادة للثورة».

أيضاً كشفت تجاربُ الحركاتِ الإسلامية اتجاهًا جديدًا في فهمها لمتغيرات واقعها بضرورة التفكير في مفهوم الدولة الوطنية، واعتماد الفصل بين الحقل الدعوي والمجال السياسي، وتأكيد أهمية الشراكة والتوافق السياسي بين مختلف القوى المجتمعية لإدارة المرحلة الانتقالية، والتخلِّي عن ثقافة الإقصاء ونظرية «البديل عن الآخر». وكذلك حاجة الحركات الإسلامية إلى ممارسة النقد الذاتي ومَأْسَسَتِه من أجل تحديد الاختلالات وضبطها، والتجديد الفكري وامتلاك قدرة التخطيط الاستراتيجي.

وعنوان اليوم الأول هو(الإسلاميون وتنوع السياقات واختلاف الخيارات) تناول قضايا جوهرية ترتبط بهوية القوى الإسلامية وسياقات تَشَكُّلِها، وقد حدَّد البعض هذه السياقات في القهر السياسي، والتقسيم الطائفي، والمذهبي، إضاقة إلى السياقين الإقليمي والدولي. ويميِّز رأي آخر بين لحظتين في مسار الحركات الإسلامية، أولاهما اللحظة التي كان يُنْظَرُ فيها للحركات الإسلامية، باعتبارها فروعًا لكيان جامع، هو(جماعة الإخوان المسلمين). لكن تطوُّر هذه الحركات – ويُمَثِّل اللحظة الثانية – أَوْجَد حالات وطنية محلية تتأثَّر بواقعها المخصوص أكثر من الحالة العامة التي تجمع هذه الحركات. ولما جاء الربيع العربي ألقى هذا التمايز بظلاله على طريقة تعامل القوى الإسلامية مع مسارات الانتقال السياسي، اختار البعض الالتحاق والإسهام في إنجاح الثورات(تونس ومصر واليمن)، واختارت حركات أخرى التقليد والقياس رغم وجود الفوارق(موريتانيا)، وفضَّلت مدرسة أخرى وعي الخصوصية والاستفادة من أجواء الربيع العربي(الحالة المغربية).

وحددت الندوة  ثلاثة تحديات تواجه الحركات الإسلامية:

أولاً: إدارة الشأن التنظيمي الداخلي: وحقيقة تحوُّلها إلى أحزاب مدنية مُمَأْسَسَة ديمقراطيًّا.

ثانياً: التحدي المعرفي: الحركات الإسلامية تواجه فَقْرَ الأدبيات التي يمكن أن تُشَكِّل خلفيةً نظريةً لمشروع سياسي وبرنامج للحكم.

ثالثًا: التحدي السياسي: ويرتبط بالبعد الوطني، حيث هناك ما يشبه الإحساس بالإثم من الانتساب إلى المرجعية الوطنية.

وتم استعراض بعض التجارب كان من أهمها تجربة الحركة الإسلامية السودانية، ونوقشت ظروف الانقلاب الذي جاء بالحركة للسلطة. لذلك أصبحت في مرحلة من المراحل أقوى من الدولة. ولأن التجربة السودانية جاءت على غير مثال سابق، فإنها تُشكِّل تجربة مهمة وزاخرة للتأمل والاعتبار، فإذا جاءت أي حركة للسلطة انتخاباً ينبغي أن تُشْرِك القوى الأخرى في الحكم، وكذلك إذا جاءت انقلاباً – قال المشاركون – ينبغي أن تُكَفِّر سريعًا عن الانقلاب بتحقيق أكبر قدر ممكن من المشاركة، وهو ما لم يحدث في التجربة السودانية. وفي ختام تقرير الجزيرة نت عن الندوة قال:

«ومشكلة جنوب السودان مَثَّلَت تحدِّيًا كبيراً، ما ضخَّم دور الجيش وعَسْكَر الحركة، ومع تطور التجربة أصبح الأمن هو المتحكم فيها. وفي هذا الوضع غير الطبيعي انشقت الحركة على نفسها ما أَفْقَدَها المرجعية الفكرية والسياسية والقيمة الأخلاقية ثم انتهت بتقسيم السودان، وهذه عبرة بالغة الخطر». ولكن السؤال المهم هو ما هو رد الإسلاميين المشاركين في الندوة وغير المشاركين، حيث شارك من السودان(غازي صلاح الدين والمحبوب عبد السلام وعبد الوهاب الأفندي والتجاني عبد القادر).