( شهادة في حق المبدع عيسي الحلو )

أحمد الفضل أحمد
– عيسي الحلو – كاتب قصصي وروائي معروف ومُنتشر حتى بين عامة الناس في الإسهام الثقافي السوداني … وأوّل عهدنا بالدخول لعوالمه عبر مجموعته القصصية ( ريش الببغاء ) المنشورة في ستينات القرن الماضي ببيروت … وتوالت كتاباته عبر الصحافة الثقافية وتشكل بذلك حضوراً ملحوظاً في المشهد الثقافي السوداني بمثابرته وإخلاصه ولم ينقطع عن الكتابة الإبداعية والنقدية … وهو حاضر ومعاصر بقوة …
– ولعيسى – عوالمه المتفردة المختلفة عن الآخرين وعلى طريقته … ولاحقاً تشكلت تلك الكتابات من تحصيله وانفتاحه على المشهد الإنساني رصداً للتحولات عن طبقة البرجوازية الصغيرة وهوامشها المترهلة بكل كوابيسها وتعقيداتها الراهنة … المركبة … وقد تبدو تلك الشخصيات مترهلة ومعاقة ذهنياً ونفسياً … وبمهارة وشاعرية يخلق عيسي أجواءً أسطورية عن تلك الشخصيات تضميناً لنظرة فلسفية وجودية في إطار جمالي … متنزلاً من تركيب وعيه حواراً مع تلك الشخوص استجلاء وكشفاً في سراديب تأزماتها وتعقيداتها … وأحلامها ومن مشاهد السينما التي يعشقها ( عيسي) يبني تقنية رواياته وقصصه …
ويتفوق في تخليق تلك العوالم ذاتياً وهو جزء منها يدرك واقعها ويتماهى معه فهو منها وإليها … وحين تقرأ ( عيسي ) تجد أن إبداعه يتجاوز المحلي وتستضيفه المخيلة العربية الحديثة في أقطارها شراكة مع محمولاتها الثقافية الراهنة المتحدة … ويكون – عيسي – مُتوزعاً بين بيروت والقاهرة وبلاد المغرب الكبير …
– وعيسي – جدير بأن يكون بين تلك النُخبة مساهماً وفاعلاً يعبر بسهولة مطلقة وتصح قراءته أيضاً هناك !!
ينظر آخرون له بأنه بعيد عن صراع دراما وقائع ثقافات الريف والتي هي متحولة وتلامس مجتمعات المدائن الحديثة …
ويُصنِف ( عيسي) بعض الكتابات ويطلق عليها الكتابة الريفية من مصدر أنها كتبت من إقطاعيات خارج نطاق المدينة الحديثة … ونقول أن الكتابة هي كتابة في الرواية أو القصة بحسب شروطها المعلومة …
فهل في كتابات ( عيسي ) هروب أم عدم معايشة ومثاقفه مع تلك الإقطاعيات المتعددة في الأطراف والوسط والمدينة في السودان مهما عُظمت فإنها تُعد مدينة ( ريفية ) كبيرة تحمل في جوفها كل التشكيلات والتعدُد … ويري بعض الآخرين أن التحليق والتهويم بعيداً يصنع بعض إشكاليات التقسيم المدرسي بين ما هو ريفي إقطاعي وبين ما هو مديني … والرواية هي رواية بكل المقاييس … وفي النهاية أنها تُبث وعياً ومتعة تلك الرواية المُتقنة الصنع في زمن الحداثة الماثلة على مستوي الكون …
ونحتاج لوعي جمالي كافي للقبول بكل الإبداعات المُساهِمة في رصدها لثقافات الأقاليم السودانية … في التاريخ والتراث والكتابات الجديدة المحتوية للراهن والسالف … الغائب والحاضر ما بين الحلم واليقظة … والثابت والمتحول .
( وعيسي الحلو ) مُغرم جداً بالتجريب في أساليب الكتابة على النهج الغربي عند ( ألن روب غرييه وناتالي سارووت ) وأضرابهما …
التاريخ الذاتي في مسيرة عيسي مكنون بعيداً في الذاكرة وجاء من – قُلِي – في النيل الأبيض إلى حاضرة بحر أبيض في كوستي وزمالة عبد الله شابو وخالد المبارك والسماني عبد الله يعقوب والأستاذ الشاعر شاكر مرسال وكانت المدرسة الوسطي كعتبة وسيطة في سُلم التعليم القديم قنطرة عبور للثانويات على أهميتها في تربية النشء حيث أنه كانت للتعليم غايات وأهداف مرصودة تتحقق في بناء سلم المعرفة والتكوين .
ذهب ( معاوية نور ) إلى بيروت في استكمال دراساته وآخرون إلى مصر … أبناء بعض زعماء العشائر والوجهاء من كبار القوم وكانت محطة كلية – فيكتوريا الجامعية – بالإسكندرية وأخرجت لفيفاً من المعروفين (الشريف حسين الهندي ومأمون بحيرى الذي أصبح لنبوغه مُعيداً في الكلية ودرس على يديه المخرج الطليعي فيما بعد ( يوسف شاهين ) قال ذلك بنفسه …
وأرسل الأمير ( ود حلو ) ابنه –عيسي- فدرس في مدرسة حلوان الثانوية … والعودة للسودان فما هي أسباب انقطاع مواصلة المسيرة الجامعية هناك …. وكثير من شخصيات السودان اللامعة استكملت تكوينها في مصر … ونجحت جمعية ( اللواء الأبيض ) في تهريب ( توفيق أحمد البكري ) وآخرين حيث يحتضنهم هناك الأمير – عمر طوسون- حفيد محمد على باشا ومن كبار السودانيين – على البرير – وعيسي لا يلمس خلفيات ذلك التاريخ وربطه مع حلقات التاريخ السياسي والإجتماعي المُمدد في وادي النيل … وكان أسلافه ملوكاً على النيل فأين ذلك من وعي قوة الأشياء … ؟ !
– المدرسة الوسطى – مرحلة تكوينية وانتقالية لها حلاوتها ونماذجها من الأساتذة الأجلاء … بعضهم كان يمتهن المهنة على مدي طويل … وآخرون يعبرون منها في مدي قصير إلى دراسات واتجاهات أخرى … وما تزال صورة هؤلاء الأساتذة في الذاكرة بقوة حضورهم واستعداداتهم المعرفية العالية … وفلسفة التعليم وقتها كانت على دراية منهجية للوصول للغايات المرجوة في الإعداد للنهايات المحسوبة والتي غايتها المعرفة والاحاطة في العمل الديواني والخدمي والتطبيقي وحتى الوعي السياسي والاجتماعي والتاريخي …
وعيسي التحق بمهنة التعليم في ( المرحلة الوسطى) ومكث بها حيناً من الدهر … وأن تنتقل من إقليم لآخر في ربوع السودان كان ميسوراً ومُتاحاً … وحدث في عقد السبعينات أن تم نقل (عيسي) للمناطق النائية في الشمال النيلي وبحكم تكوينه واستعداداته فلم يكن مؤهلاً لخوض تلك التجارب الشاقة بعيداً عن حنين الأشياء المألوفة الثابتة والمستقرة مع العائلة الصغيرة في العباسية وبؤرة الإشعاع الثقافي وجاذبيته … ومشروع الفنان والأديب ليس متاحاً عند كل الناس … وقدر أن تكون فناناً أديباً مرصود في القلة القليلة … وهذا قدر وطريق آخر مشى على تضاريسه ونتوءاته بالسهر والكد والمواظبة … وكانت المفاصلة ما بين التعليم والإبداع والهم الثقافي عموماً …
– ولعيسي- رفقة أدبية طويلة مع بعض أنداده ومعاصريه وكان قبل ذلك (عيسي) قد تأهل مهنياً أثناء الخدمة في معهد ( بخت الرضا للتربية ) … تلك البؤرة الإشعاعية ذات التأثير على مدي المنطقة العربية والأفريقية وكان انطفاء ذلك السراج بقصديه منهجية من تدبير الفكر .. الغازي الهادم …
وجد (عيسي) من يعينه وقتها والتحق ممتهناً للعمل الثقافي …
وكانت أول بدايات النشر لعيسي هي قصة قصيرة في صحيفة (النيل) لسان حال ( الأنصار وحزب الأمة ) كان ذلك في العام 1957م … وعلى الجناح الآخر كان ( صوت السودان ) ثم ( الجماهير ) لسان حال الختمية وحزب الشعب الديمقراطي وهذه هُوية وتكوين للسودان الماثل وأيا كان الرأي الآخر المُضاد فلا يمكنك أن تتلاشي وتستعير لك هويات أخري …
عمل عيسي في جريدة ( الأيام ) الملحق الثقافي وأصبح كاتباً متفرغاً في العام 1976م … وامتد التحرير الثقافي لسنوات كإصدارة راتبه رصينة وشاملة في محاور الإبداعات الأدبية والفنية انفتاحاً على الثقافة السودانية والعربية والكونية … وأتاح ملحق الأيام الثقافي فرصاً واسعة لإنتاج كبار الأدباء والمبدعين والجماعات الأدبية والشباب الواعد في مجالات القصة والشعر والدراسات … الخ أصبح ملحق الأيام الثقافي نموذجاً يحتذى لبقية الصحائف … كان الملحق قد سدَّ فراغاً عريضاً مع قلة الدوريات الثقافية والكتاب … وازدهرت على صفحاته أقلام مجيدة …
يُحسب – لعيسي – هذه الريادة … وفي عقد التسعينات أشرف عيسي الحلو على مجلة الخرطوم مع مجذوب عيدروس ومعاوية البلال … وانعدل بعد ذلك ميزانها المائل وكانت إصدارة جامعة يُفخر بها على ساحة الثقافة العربية الأقريقية … وضع عيسي بصماته في لوحة الثقافة السودانية .
ترك(عيسي) مهنة التعليم ورموزها في المرحلة الوسطى من الذين سبقوه ومن جيله ومن جاء بعده فكان هناك ( أمين زكي وبرعي أحمد البشير وأبو بكر خالد وعثمان الحوري ومصطفى سيد أحمد … ) فهل خسر التعليم أم ربحت الثقافة ؟ ….
وتجد في مكتب عيسي ( محمد عبد الحي وعلى المك وأحمد عبد العال ومحمود مدني … وآخرين ) وحصيلته من الإصدارات موقفة في النشر وخاصة رواياته … ومعظمها نُشِر ما بين صحيفتي الأيام والصحافة ثم من بعد جريدة الرأي العام .
ونذكر منها : تلك عناوين باهرة ، السماء والبرتقالة ، حمي الفوضى والتماسك ، مداخل العصافير للحدائق ، صباح الخير أيها الوجه اللامرئي الجميل ، الجنة بأعلى التل ، جنيفييف والعصفورة ، عجوز فوق الأرجوحة و الورد وكوابيس الليل .
ومع الإبداع الخالص في التجريب والحداثة يُعد عيسي فناناً شاملاً في اهتماماته وتطبيقاته النظرية وقد نالت الفلسفة الوجودية كنظرية لها صداها في فترة الستينات وتعلق بها كثيرون … كانت بعض اتهاماته …
وهل يُحْسَب ( عيسي ) عليها في فترة من الفترات …؟ والشاهد أن الأستاذ المرحوم ( بشير الطيب ) يُعد من روادها على المستوي الإبداعي الكتابي وخاصة في تلك الفترة … كان يكتب عموداً ثابتاً ( أقول لكم ) في جريدة –الزمان- لصاحبها عبد العزيز حسن … ثم في جرائد أخري لاحقة … ومجلات …
الفن والحداثة وكانت ظاهرة المُغني ( إبراهيم عوض ) مطلع الخمسينات هذا فنان أثير لدي عيسي الحلو ولم يكتب عن تلك الصلات المُمتدة معه والملحن والشاعر عبد الرحمن الريح … وكانا يستحقان توثيقاً في ريادتهما الحداثوية عصرئذٍ كما يقول على المك …
وأن تكون تلك الكتابة على طريقتها لتجمع ما بين التاريخي والاجتماعي ومدارج الموسيقي في فتوحاتها الجديدة كان يملك ذلك بطريقة من الطرائق … أتصور ذلك . !! .
أكتب من حين لآخر بعض الكتابات والمقالات وكان ذلك بإلحاح من المبدع (عيسي) … في ملحقه أو مواضع أخري … فأصبحت تلك عادة يحُثني عليها أيضاً مجذوب عيدروس … تحية لكل الجمِلين الحاضِرين والغائبين …
ولمركز (عبد الكريم ميرغني ) التحية والتقدير… والرحمة لأحمد الطيب عبد المكرم … وللأخ وليد تحية وللصاوي ولكل القائمين والقاعدين … وروح الطيب صالح الوادعة عَبقُها بين الأمكنة في أمدرمان والخرطوم … ونشتهِي أن تَعُم ذكراه في احتفاليات جميع المدائن … تأخذ كل مدينة من بنصيب من اهتماماتها الفنية والثقافية . وما أجدرها وأكثرها …