تطابق وجهة النظر السودانية والأمريكية .. ماذا بعد؟

< أعادت تصريحات الخارجية الأمريكية الصادرة أمس الأول الخاصة بدعوتها الصريحة لجوبا بوقف وإيواء المتمردين؛ بالاضافة الى إعلان الرئيس البشير في اجتماع شورى الوطني والخاص بمنح جوبا مهلة حتى ديسمبر المقبل لتنفيذ ماتم الاتفاق حوله وبالعدم (الحشاش يملأ شبكتو).. كما ذكر على حد نص العبارة.
< هذين الموقفين اعادا الى واجهة الأحداث علاقة الخرطوم مع جوبا؛ وهي العلاقة التي ما إنفكّت تنحدر من سيئ ألى أسوأ؛ حتى وصلت لمرحلة الحرب والمواجهة العسكرية إبان حرب (هجليج).. ويرى كثير من المراقبين أن جوبا لم تقدّر ما قدّمته لها الخرطوم.
< وفي هذا اشارة مباشرة لاتفاقية نيفاشا؛ التي ماكانت لتتم لولا أن الخرطوم تعاملت مع جوبا بشفافية كبيرة عندما منحتها حق تقرير المصير؛ بينما عملت باجتهاد لتنمية ملف (الوحدة الجاذبة)؛ إلا أن أشواق الجنوبيين كانت مؤيدة للإنفصال؛ وهي الأشواق التي رعاها المجتمع الدولي ونفخ في نارها؛ فكانت النتيجة انفصال الجنوب بعد ستة سنوات من الفترة الانتقالية.
< جوبا تعاملت مع الخرطوم بشكل مغاير ولم يكن متوقعاً؛ عندما صعّدت من وتيرة عدائها للسودان الشمالي؛ ظناً منها أنها كانت في حالة (استعمار) طيلة السنوات الماضية من عمر الجنوب وهو في الحضن السوداني وطبّقت جوبا بشكل فاضح المثل القائل (إتقِ شر من أحسنت اليه).. فقد أحسنت الخرطوم لجوبا عندما سارت معها لأعلى سقف المطلوبات (تقرير المصير)؛ وامتازت الخرطوم بالشجاعة الكاملة لتنفيذ كامل مخرجات الإتفاقية.
< دخول جوبا المباشر في (شد وجذب) مع الخرطوم؛ جعلها تفقد توازنها الداخلي؛ ويفلت منها زمام (قياد الداخل) الأمر الذي أنتج معارضة مسلحة؛ لم تلبث أن انقسمت لأكثر من جناح؛ وباتت مهدد لبقاء الحكومة نفسها؛ ودخلت الدولة الوليدة في حرب داخلية أتت على الأخضر واليابس.
< التدخل الأمريكي المباشر الذي شكل تغييراً غير متوقع في علاقة واشنطن مع جوبا؛ والذي ألزمها بضرورة وقف دعم متمردي السودان؛ يفسر بأن مياه كثيرة جرت تحت الجسر؛ وأن واشنطن بدّلت نظرتها لجوبا وكانت في السابق تدعمها بالحق وبالباطل؛ لكن يبدو أن واشنطن أدركت أخيراً أن سلام دولة الجنوب بالداخل لن يتحقق إلا بخلق علاقات متينة مع جيرانها وأولهم الخرطوم.
< بيان الخارجية الأمريكية قال إن هناك تقارير موثوقة تشير الى أن حكومة جنوب السودان تقوم بايواء وتقديم المساعدة للمعارضة السودانية المسلحة؛ وهو تأكيد للمؤكد؛ فقد كانت واشنطن في السابق لا تعترف بمثل هذه الحقائق؛ وأن تأتي لتعترف الآن هذا يدلل على تبدّل نظرتها تجاه العلاقة بين الخرطوم وجوبا.
< إعلان الرئيس البشير جاء في توقيته السليم عندما تزامن مع الإعتراف الأمريكي بوجود دعم جنوبي لمتمردي السودان؛ وتأكيد الرئيس البشير بمنح جوبا مهلة حتى نهاية العام لتنفيذ ماتم الاتفاق حوله؛ يعني في المقام الأول أن تلتزم جوبا بطرد الحركات المسلحة السودانية من أراضيها؛ واذا لم تفعل يكون عندها لكل حادثة حديث.
< تطابق وجهتي النظر السودانية والأمريكية إزاء الدعم الجنوب سوداني للحركات المسلحة يؤكد أن المرحلة المقبلة هي ليست في صالح هذه الحركات بأي حال من الأحوال؛ ويضع فرصة واسعة لتحقيق السلام الشامل في السودان؛ خاصة بإطلاق الحوار الوطني الذي لم يتثن أحد.