في الرد على كتاب (بخت الرضا – الإستعمار والتعليم) للبروفيسور عبد الله على ابراهيم 5-5

عبد القادر العطا
بين يدي كتاب (بخت الرضا – الإستعمار والتعليم) وهو ضمن الأعمال الكاملة للبروفسيور عبد الله على ابراهيم، والمعادة طباعته من هيئة الخرطوم للصحافة والنشر. يقع الكتاب في حوالي ١٥٠ صفحة من القطع الصغير. ما دفعني للكتابة رداً وتعليقاً على ما جاء في هذا الكتاب أمران.. أولهما:
ـ الأحكام الجائرة التي عجّ بها الكتاب على كل ما يتعلق بمعهد التربية بخت الرضا، فكرةً ومنهجاً وتدريباً، وعلى أساتذته الأجلاء الذين وصفهم بالأبواق تارةً، ووصف جهودهم ومساهماتهم التربوية العظيمة بـ(المقردة) أي ما يأتي به القرد من حركات تقليد، تارة أخرى.
وثانيهما: أنني أحد خريجي معهد التربية بخت الرضا – فرع شندي، وقد نهلت من ذات المعين الثر ومارست مهنة التدريس بذات النهج القويم، وسأظل أفخر بانتمائي لذلك الصرح الشامخ وأعتز بوضع شهادة بخت الرضا فوق شهادتي الجامعية.
لم اضطر للبحث عن مراجع للرد على البروف، بل اكتفيت بما أورده هو نفسه، مبيناً التناقضات التي وقع فيها والدعاوي غير المسنودة وقد سهل مهمتي أن وجدت الأحكام تحمل عوامل نقضها بداخلها.
‬ يقول المؤلف: أن هذه الدراسة أي (كتابه) تقع بصورة أخص في حيز دراسات نقد الاستعمار والمناهج المدرسية، التي ينصح صاحبها ج.أ. مانقان في كتابه المنهج الامبريالي (أن تقوم على جادة الأكاديمية) لا على ملاحاة انفعالية من العداء للإستعمار) ورغم ذلك فقد انطلق المؤلف في أحكامه من الكراهية المحضة.
يقول: ( أنه مما يزعج أن معهد التربية بخت الرضا، مهما قلنا عن حسناته، أكتسب صبغة القداسة، فلا نقد يطاله، لأنه التعليم الخاتم عند الجيل من التربويين وغيرهم).
توقفت عند هذه الفقرة طويلاً، حتى أنني أعدت قراءة الكتاب للمرة الثالثة لأقف على الحسنات التي أشار إليها المؤلف، فلم أجد حسنة واحدة في حديثه عن بخت الرضا ومعهدها.
واتضح لي أن المؤلف كان يعلم أنه مقدم على إبراز آراء شخصية لا تستند على منطق أو طرح موضوعي، رغم المبالغة في الاستشهاد بآراء وأحكام للدكتور عبد الله الطيب، وكأني به يستنصر بالبروف عبد الله الطيب في مواجهة رأي الأغلبية التي يعلم سلفاً أنها لن تقر أحكامه التي أوردها في كتابه، ولذلك عدّ الأمر (مما يزعج) كما ورد في ص ١٢ من الكتاب.
وهأنذا أفتتح الرد على الكتاب وأترك للقراء مساحات الرد والتعقيب والله من وراء القصد.

٭ ويمضي الكاتب في ذمه وانتقاده لبخت الرضا ومعهدها الرائد. وعندما سئل، كيف يشيد بالطاقم الوطني في بخت الرضا، فبدلاً من اثبات الفضل لأهله، يقول(لا شك أن بخت الرضا مؤسسة استعمارية ولكن التجربة تخلقت في البيئة السودانية بما في ذلك جهد الطاقم السوداني، وذلك ما يسميه فقهاء مدرسة ما بعد الاستعمار بـ«النص الخلاسي» أو «المقردة» وهي تقليد أفعال القرد).
٭ في ذلك اساءة بالغة لعلماء وأساتذة أجلاء سكبوا عصارة جهدهم وفكرهم من أجل وطنهم، ليجيء البروف عبد الله ويصفهم بذلك الوصف المشين. وهم الذين ضمنوا المنهج الرضاوي:
أيها الجهل المخيف المعتدي
طال مثواك بهذا البلد
لن يظل الشعب مكتوف اليدي
فوداعاً.. ووداع الأبد.
ثم ما رأيك في هذه الاهزوجة:
نحن ان اشرق صبح
نترك النوم ونصحو
ثم نمضي فنصلي
إن تقوى الله ربح
ونحيي أبوينا
فرضا الأباء فتح
ولدار العلم نسعى
وإلى العلياء ننحو
٭ ترى أين يكون موقعها في مشروع البركة الثوري الذي تدعو له، أم أن مجرد تضمينها منهج بخت الرضا سيجعلها عندك (مستكرهة) و(منزوعة البركة)؟!
٭ هذه نماذج وغيرها كثير.. فهل كان كل ذلك مقردة وتقليد أعمى كما أدعيت؟ أم هو الشطط والغلوّ . ولماذا لا تترك ولو حيزاً ضيقاً للنقد العقلاني، لتقول لمن أحسن أحسنت، حتى لو كنت كارهاً لذلك؟.
٭ يقول المؤلف إن الإنجليز وامعاناً منه في ترييف التعليم قد حرموا على الطلاب لبس البنطال والأحذية الأوروبية، ويسمى ذلك (أدبة) حتى يعود أولئك الفتية المارقين إلى أصولهم الريفية المتواضعة ولجم طموحاتهم السياسية !!
٭ ونقول العودة إلى الأصول محمدة وفيها تأكيد على الهُوية ولا علاقة للبنطال والجزمة بالطموح السياسي. ومتى كان تحرير الأوطان يستلزم جزمة وبنطالاً، وهل اعتمر المهدي الطربوش التركي ليحرر السودان؟
٭ وهل تزيأ غاندي ببدلة إنجليزية وانتعل حذاءً فرنسياً ليقود نضاله لتحرير الهند؟؟
٭ وها قد انتشر الزي الغربي حتى كاد أن يطمس الهُوية.. فهل تحققت الطموحات السياسية ؟
٭ ويمضي ليقول (مدرسة ما بعد الاستعمار كارهة جداً للاستعمار، بل تعيب على رواد الحركة الوطنية من جيل إسماعيل الأزهري أنهم لم يكرهوا الاستعمار جد).
٭ وأقول له يكفي رواد الحركة الوطنية جهودهم في المقاومة والتوعية حتى تم استقلال السودان. وما علينا بنظريات مدرسة ما بعد الاستعمار، فالكراهية وحدها لا تحرر وطناً، مثلما أن كراهية البروف المكثفة لبخت الرضا لن تنال من انجازات معهدها الرائد.
٭ أما حديثه عن الخلاسية والمقردة فيما يختص بجهاز القضائية في السودان، كذلك أمر نتركه لأصحاب الشأن والاختصاص.
٭ ومرة أخرى وفي حديثه عن المدرسة يقول إن بابكر بدري ومحجوب شريف والتجاني الماحي قد استطاعوا استرداد المدرسة من ضلالها وتطعيمها بشيء من البركة. ولست أدري عن أي ضلال وبركة يتحدث والثلاثة قد ارتادوا ذات المدرسة التي وصفها بالاستعمارية منزوعة البركة.
٭ في قمة حماس المؤلف للتعليم الديني والخلاوى (كامل البركة) في مقابل المدارس (منزوعة البركة) نجده يفرد حيزاً معتبراً للشيخ علي بيتاي وخلاوى همشكوريب، وحديثه عن حوريات البحر المختصمات، والمدرسة التي تغشّ القلوب. ولنا في ذلك رأي، فمن ناحية لا يختلف اثنان في أن الشيخ علي بيتاي مصلح ديني واجتماعي، استطاع أن يحدث نقلة اصلاحية كبيرة وتغيير جذري في مجتمعه وهو يؤجر على ذلك. أما ما ورد عن دور السلطات في اعتقاده والتحفظ عليه، أو الصراع السياسي الذي دار حول المنطقة، فلا أرى أي مبرر للزج بالمدرسة في ذلك. فكل قوة خارج سلطة الحاكم تكون موضع حذر وخوف لما يمكن أن يترتب عليها من خروج على السيادة وتهديدٍ لكرسي الحكم وذلك طبيعي وسائد حتى يوم الناس هذا.
٭ أما الخوارق والمعجزات فتلك أمور بين العبد وربه لا يستطيع الناس سبر أغوارها ولسنا معنيين بالحكم لها أو عليها. ومثال ذلك ما أورده المؤلف منسوباً للشيخ علي بيتاي (أنهإاذا زعل تهلك الدنيا لأن السماوات والأرض كهبابة الجبنة عنده).
٭ فلست أدري هل أورد المؤلف هذا القول ليكون إضافة للشيخ بيتاي أم خصماً عليه؟! الله أعلم.
٭ وكذلك رؤيا الشيخ التي خلصت إلى (أن متعلمي المدارس زوجاتهم أمهاتهم حين يتزوج المؤمنون الحور العين، ومن ضحك معهم فقد ضحك مع الشيطان).
٭ والغريب أن ينسب هذا القول المنكر للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، حسب منطوق الرؤيا!
٭ يحاول المؤلف أن يبرر ذلك بسوء ظن الشيخ بيتاي بالمدارس.. وهل سوء الظن مبرر للافتئات على الرسول الكريم؟.
٭ وسؤال نوجهه للبروف عبد الله وهو.. ما رأيك في أقوال الشيخ وأنت أحد متعلمي المدارس؟ وبعد كل ذلك نجده يقول إن الشيخ كان يحث الأولاد على الالتحاق بالمدارس وتولي الانفاق على النجباء منهم وقد أدرك أنه لا سبيل للترقي في التعليم بدون المدارس!! ففيم كل تلك المغالطات والتكفير.
٭ المسألة ببساطة أن الطفل في سن الخامسة وحتى السابعة كان يلحق بالخلوى، ثم يأتي للإلتحاق بالمدرسة في سن السابعة مصطحباً زاده الروحي والمعرفي، فبذلك ينال خيري الدنيا والآخرة و(البركة) التي يركز عليها المؤلف. وهل كنا سنحصل على الدرجات العلمية الرفيعة وهذا الكتاب الذي بين أيدينا والذي نحترم ما بذل فيه من جهد، ونختلف مع ما ورد فيه من أحكام، ما لم نلج إلى دنيا المعرفة من بوابة تلك المدرسة الموسومة بـ(الشيطانية) والتي وضعت نواتها بخت الرضا ورعتها حتى استكملت جوانب وشروط استقامتها على الجادة؟
٭ يقول المؤلف تم انشاء معهد بخت الرضا في العام 1934م ومنذها واصل مسيرته التعليمية حتى صار جامعة في 1997م.
٭ والصحيح أن جامعة بخت الرضا قامت على انقاض معهد التربية ولم تجيء كتطور طبيعي للمعهد كما يفهم من السياق. فرسالة معهد التربية بخت الرضا تختلف تماماً عن رسالة الجامعة.
٭ وأخيراً.. النقد الموضوعي مطلوب ومرغوب، لأنه يبين النواحي الايجابية التي تستحق الدعم والتثبيت، والسالبة التي يجب التخلص منها وكذلك مواطن الخلل التي تستلزم المعالجة والتقويم.
٭ أما الحكم المطلق بالفشل على مؤسسة كبرى وعريقة مثل بخت الرضا، فذلك أمر يجانب الحكمة والصواب.
٭ وأقول للبروف عبد الله علي إبراهيم إن تسفيه جهود العلماء ظلمٌ فادح، والكراهية المطلقة لا تصلح منهجاً ولا تبني وطناً، فلا تبخسوا الناس أشياءهم.
٭ حاولت الرد على بعض المغالطات التي وردت في كتاب البروف إجمالاً، ويقيني أن غيري أجدر بالتفصيل والتفنيد.
والله من وراء القصد…