أيام الهجرة.. ذكرى ومراجعات!!

< يوم الجمعة المباركة هذا هو يوم سابق لرأس السنة الهجرية؛ أهم مناسبة في تأريخ الامة المسلمة.. لكن اعتاد كثيرون ان يمر يوم هذه الذكرى بكل عبقها في سيرة المصطفى عليه افضل الصلاة والسلام؛ يمر كما تمر الأيام العادية دون أن تحدث في النفس المسلمة اي (دهشة) أو ذكرى عاطرة تعيد النفس من (خبث) الدنيا الى (طيب) الآخرة.

< وطبعاً هذا الحكم ليس على إطلاقه؛ فهناك كثيرون يتلقّفون هذه الأيام المباركات؛ التي أعقبت أيام الحج (المعدودة)؛ ليكثروا من خيري الدنيا والآخرة؛ كثيرون هم الذين يضعون ذكرى هجرة نور الهدى من مكة الى المدينة كـ (تميمة) تحدد كل مسارات عامهم القادم.

< وكثيرون الذين يضعونها فيصلاً بين عام مضى وآخر قادم؛ تتوه بين أيامهم النفس البشرية؛ وهي تهفو الى (لعاعة) من الدنيا (زائلة)؛ ويبقى النعيم المقيم لولئك الذين رسموا ملامح حياتهم لئلا تحيد عن الطريق والسوية؛ يقيّمون أيامهمهم والليالي بمقياس (النبوة)؛ ويقيسونها بهدي رب العباد؛ لذلك تراهم مهديين بنور القرآن.

< الهجرة النبوية ليست مجرد تأريخ للأيام والسنين؛ لكنها بداية لإنطلاقة هذا الدين؛ الذي هو عند الله الإسلام؛ وهي إنطلاقة لم يضعها أحد؛ لكنها إنطلقت بوحي من الله عز وجل من فوق سموات سبع؛ وقام عليها بالرعاية والسقيا والبلاغ سيد ولد آدم المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.

< تجدني عزيزي القارئ وقد إخترت ان أكتب عن هجرة المصطفى؛ ليس لاضع بين يديك مآثرها ودلالاتها؛ ولا لكي أسرد تلك القصة التي حكى عنها المولى عزّ وجل عندما كانوا اثنين الله ثالثهما.. ولكني أكتب عنها اليوم ولست بأعلم بها من الآخرين.

< اكتب اليوم عن ذكرى هجرة المصطفى؛ لأضع بين يدي قرائي الأعزاء بعض ملامح لعصرنا هذا الذي إنشغل فيه (القوم) باللهاث خلف (متاع الحياة الدنيا)؛ بعد ان زُين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث؛ وبعد أن انساقوا وراء تعمير الدنيا؛ ونسوا ان يعمروا مابينهم وبين الناس.

< تمر علينا هذه الأيام المباركات؛ ونحن (منغمسون) في حب الذات؛ وتكدّرنا (أوحال) قطع الرحم؛ أو (المباغضات) بين الناس؛ والقيل والقال؛ ونقل (النميمة)؛ ويظللنا عدم الثقة في أي أحد وكل أحد.. فقد أظلنا هذا الزمان الذي لا يعرف أحد شيئاً عن جاره؛ ويبيت أحدنا وهو قاطع لـ (رحمه).

< تظللنا أيام الهجرة المباركة؛ وقد (ولغ) الشيطان في آنانيتنا؛ وبات المسلم في أرض الله الواسعة يقتل وهو (لا يعرف فيم قتل).. وانتشر بيننا عدم الأمان النفسي فبتنا كلنا يوصد على نفسه وأسرته الأبواب.. وتمر علينا هذه الأيام المباركة وتمتلئ مساجدنا بـ (السائلين)؛ وطرقاتنا بـ (المتسولين)؛ وتمر علينا هذه الأيام ويخاف أحدنا لابنه أو ابنته أن تسير في الشارع العام وهي مطمئنة لـ (أخو البنات) و(مقنع الكاشفات).

< إنها دعوة لنفسي والآخرين لمراجعة الذات؛ ووضعها في الميزان قبل أن توضع أعمالنا في ميزان الله الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة.. تمرّ علينا هذه الأيام المباركة وقد فارقنا العديد من أحبابنا وتوسدوا الثرى؛ نسأل الله لهم المغفرة والرضوان؛ ونسأله تعالى ان يكون حالهم (عبرة) لنا.. سئل أحد الحكماء (بأن أوعظنا) فقال: (هذه قصوركم وهذه قبوركم)؛ فأي وعظ أعظم من هذا؟